الصفحة 9 من 219

والاسمُ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ: أَصْلُهُ سِمْوٌ بضمِّ أَوَّلِهِ أَو بِكَسْرِهِ مَعَ سكُونِ الْمِيمِ, فَهُوَ مِن الْأَسْمَاءِ الَّتِي حُذِفَتْ أواخِرُها لِكَثْرَةِ الاستعمالِ، وبُنِيَتْ أَوَائِلُهَا عَلَى السُّكُونِ، وَأُدْخِلَ عَلَيْهَا مُبْتَدَأٌ بِهَا هُمَزَةُ الْوَصْلِ؛ لِأَنَّ مِن دأَبِهم أَنْ يبتدِئُوا بالمتحرِّكِ، ويقِفُوا عَلَى السَّاكِنِ واشتقاقُهُ مِن السُمُوِّ أَي: بضَمِّ السينِ وَكَسْرِهَا وَهُو الْعُلُوُّ.

وَأَمَّا عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ فأصلُه وَسْمٌ بِفَتْحِ الْوَاوِ وسكونِ المهْمَلةِ حُذِفَت الْوَاوُ وعُوِّضَ عَنْهَا هُمَزَةُ الْوَصْلِ، واشتقاقُه عِنْدَهُمْ مِن السِّمَةِ وَهَي الْعَلَامَةُ وأُيِّدَ مَذْهَبُ الْبَصْرِيِّينَ بِأَنَّ الْحَذَفَ مِن الْأَوَاخِرِ أَوْلَى.

قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ عَطَاءٍ: الباءُ بِرُّهُ لأوراحِ أنبيائِه بإلهامِ الرِّسَالَةِ وَالنُّبُوَّةِ، وَالسِّينُ سِرُّهُ مَعَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بإلهامِ الْقُدْرَةِ والأُنسِ، والميمُ مِنَّتُهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بدوامِ النَّظَرِ إِلَيْهِمْ بِعَيْنِ الشفقَةِ وَالرَّحْمَةِ.

وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ طَاهِرٍ: الباءُ بِرُّهُ للعارفينَ وَالسِّينُ سَلَامُهُ عَلَيْهِمْ، والميمُ محبَّتُه لَهُمْ. وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: الباءُ بقاؤُه، وَالسِّينُ سناؤُه, والميمُ مُلْكُهُ. وإضافَتُه للجلالةِ مِن إِضَافَةِ الْعَامِّ للخاصِّ.

وَاللَّهُ عَلَمٌ عَلَى الذَّاتِ، الْوَاجِبُ الوجودِ المستحِقُّ لِجَمِيعِ الْمَحَامِدِ، وَهُو أَعْرَفُ المعارفِ والاسمُ الْأَعْظَمُ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِه أَجَابَ وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَالرَّحْمَنُ الْمُنْعِمُ بجلائِلِ النِّعَمِ كَمًّا وَكَيْفًا، والرحيمُ الْمُنْعِمُ بدقائقِها كَذَلِك، وَهُمَا صِفتانِ مُشَبَّهتانِ بُنِيَتَا للمبالغةِ وَفِعْلُهُ رَحِمَ بالكسرِ كغضْبانَ مِن غَضِبَ وَهُو مُتعدٍّ كرَحِمَكَ اللَّهُ، والصفةُ المشبَّهةُ إِنَّمَا تُبْنَى مِن اللَّازِمُ كظَريفٍ وَشَرِيفٍ مِن: ظَرُفَ وَشَرُفَ لِتنزِيلِ رَحِمَ الْمُتَعَدِّي مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ، أَو بجعلِه لَازِمًا بِنَقْلِهِ إِلَى فَعُلَ بالضَّمِّ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَا تُنُزِّلَ مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ وَمَا جُعِلَ لَازِمًا أَنَّ الْأَوَّلَ مُتعدٍّ للمفعولِ لَكِن بِقَطْعِ النَّظَرِ عَن مَفْعُولِهِ لَفْظًا وتقديرًا، كَمَا فِي فُلَانٌ يُعْطِي، وَالرَّحْمَةُ فِي الْأَصْلِ رِقَّةُ الْقَلْبِ وانعطافٌ يَقْتَضِي التَّفَضُّلَ وَالْإِحْسَانَ وَهَذَا الْمَعْنَى مُحالٌ فِي حَقِّهِ تَعَالَى, والقاعدةُ أَنَّ كُلَّ صِفَةٍ اسْتَحَالَتْ عَلَيْهِ تَعَالَى باعتبارِ مبدَئِها تُطْلَقُ عَلَيْهِ باعتبارِ غايتِها فَهِيَ فِي حَقِّهِ بِمَعْنَى الإنعامِ، أَو إرادتِه فَهِيَ صِفَةُ فِعْلٍ عَلَى الْأَوَّلِ، وَصِفَةُ ذَاتٍ عَلَى الثَّانِي.

تَنْبِيهٌ: قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ: الرَّحْمَنُ بِنِعَمِ الدُّنْيَا مِن الْمَالِ، وَالْأَهْلِ وَالْوَلَدِ، والرحيمُ بِنِعَمِ الدِّينِ مِن الْمَعْرِفَةِ والإِيمانِ وَالشَّهَادَةِ.

وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّادِقُ: الرَّحْمَنُ للمُرَادينَ، والرحيمُ للمُرِيدينَ، وَقِيلَ: الرَّحْمَنُ بِنِعَمِهِ الباطِنَةِ، والرحيمُ بِنِعَمِهِ الظاهرةِ، وَقِيلَ: الرَّحْمَنُ بالدفعِ، والرحيمُ بالنفعِ.

فَائِدَةٌ: نَقَلَ الدَّمَامِينِيُّ عَن بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّه قَالَ: صِفَاتُ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي عَلَى صيغةِ الْمُبَالَغَةِ كَرَحِيمٍ، وغَفُورٍ كُلُّهَا مجازاتٌ؛ إِذْ هِي مَوْضُوعَةٌ للمبالغةِ وَلَا مُبَالَغَةَ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْمُبَالَغَةَ هِي أَنْ تُثْبِتَ لِلشَّيْءِ أَكْثَرَ مِمَّا لَهُ وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِيمَا يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ والنَّقْصَ، وَصِفَاتُهُ تَعَالَى مُنَزَّهَةٌ عَن ذَلِكَ، قَالَ: وَهِيَ فَائِدَةٌ حَسَنَةٌ انْتَهَى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت