الصفحة 14 من 219

لَهُ الَّذِي أَقُولُ: إِنَّهَا عهْديَّةٌ؛ وَذَلِك أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا عَلِمَ عَجْزَ خَلْقِهِ عَن كُنْهِ حَمْدِهِ وَحَقِّهِ حَمِدَ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ فِي أزلِهِ نيابةً عَن خَلْقِهِ قَبْلَ أَنْ يحمَدُوه، فَقَال ابْنُ النَّحَّاس ِ: أُشْهِدُكَ أَنَّهَا لِلْعَهْدِ. انْتَهَى.

وآثرَهُ عَلَى الشُّكْرِ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِِ وَسَلَّمَ (( مَا شَكَرَ اللَّهَ مَنْ لَمْ يَحْمَدْهُ ) )وَثَنَّى بِالْحَمْدِ؛ لاستحبابِ الْإِتْيَانِ بِه فِي الْأُمُورِ ذَوَاتِ البالِ، وَلِمَا رُوِيَ مَرْفُوعًا أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْحَمْدَ يُحْمَدُ بِه لِيُثِيبَ حامِدَه وَجَعَلَ الْحَمْدَ لِنَفْسِهِ ذِكْرًا ولعبادِه ذُخْرًا.

وَفِي (الْحِصْنِ الْحَصِينِ) لِلْإِمَامِ الْجَزْرِيِّ عَن صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ: جَلَسَ رَجُلٌ فِي مَجْلِسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى. فَقَال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِِ وَسَلَّمَ: (( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَد ابْتَدَرَ عَشَرَةُ أَمْلَاكٍ كُلُّهُمْ حَرِيصٌ عَلَى أَنْ يَكْتُبُوهَا فَمَا دَرَوْا كَيْفَ يَكْتُبُونَهَا, حَتَّى رَفَعُوهَا إِلَى ذِي الْعِزَّةِ فَقَالَ: اكْتُبُوهَا كَمَا قَالَ عَبْدِي ) ).

قَالَ شارحُه مُلَّا عَليٌّ قارِيٌ: وَتَعَجَّلَ بَعْضُهُم بَعْضًا فِي كَتْبِهِ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ وَرَفْعِهَا إِلَى حَضْرَةِ رَبِّ الْعِزَّةِ؛ لِعِظَمِ قَدْرِهَا وَكَثْرَةِ أَجْرِهَا انْتَهَى.

وللإمامِ مُسْلِمٍ والنَّسائِيِّ فِي حَدِيثِ مَسِيرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ إِلَى بَيْتِ أَبِي الْهَيْثَمِ, وَأَكْلِهِم الرُّطَبَ وَاللَّحْمَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِِ وَسَلَّمَ: (( إِنَّ هَذَا هُو النَّعِيمُ لَتُسْأَلُنَّ عَنْه يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) ), فَلَمَّا كَبُرَ عَلَى أَصْحَابِهِ قَالَ: (( إِذَا أَصَبْتُمْ مِثْلَ هَذَا وَضَرَبْتُمْ بِأَيْدِيكُمْ فَقُولُوا: بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ, فَإِذَا شَبِعْتُمْ فَقُولُوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هُو أَشْبَعَنَا وَأَرْوَانَا، وَأَنْعَمَ عَلَيْنَا وَأَفْضَلَ فَإِنَّ هَذَا كَفَافُ هَذَا ) ).

وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ والتِّرمذيُّ والنَّسائِيُّ: كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِِ وَسَلَّمَ يَقُولُ عَقِبَ الْأَكْلِ: (( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَجَعَلَنَا مِن الْمُسْلِمِينَ"ا هـ."

وَهَذَا إرشادٌ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِِ وَسَلَّمَ لِلْأُمَّةِ؛ للاقْتِدَاءِ بِه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِِ وَسَلَّمَ وَلاستجلابِ ذَلِكَ لدوامِ النِّعْمَةِ {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} . وَرُوِي أَيْضًا: (( حَمْدُ اللَّهِ أَمَانٌ لِلنِّعْمَةِ مِن زَوَالِهَا ) ). وَرُوِي أَيْضًا: (( مَنْ لَبِسَ ثَوْبًا فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَسَانِي هَذَا وَرَزَقَنِيهِ مِن غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ ) ).

وَفِي شَرْحِ الْإِمَامِ السُّحَيْمِيِّ عَلَى (الْفَضَائِلِ) : وَأَفْضَلُ الْمَحَامِدِ أَنْ يُقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا يُوَافِي نِعَمَهُ وَيُكَافِئُ مَزِيدَهُ؛ لِمَا وَرَدَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَهْبَطَ آدَمَ إِلَى الْأَرْضِ قَالَ: يا رَبِّ عَلِّمْنِي الْمَكَاسِبَ وَعَلِّمْنِي كَلِمَةً تَجْمَعُ لِي فِيهَا الْمَحَامِدَ, فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ أَنْ قُلْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ عِنْدَ كُلِّ صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا يُوَافِي نِعَمَهُ وَيُكافِئُ مَزِيدَهُ، فَقَدْ جُمِعَتْ لَكَ فِيهَا جَمِيعُ الْمَحَامِدِ. وَلِهَذَا لَو حَلَفَ إِنْسَانٌ لَيَحْمَدَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بِمَجَامِعِ الْحَمْدِ أَو بِأَجَلِّ التحاميدِ فَلْيَقُلْ هَذَا.

وَأَمَّا لَو حَلَفَ لَيُثْنِيَ عَلَى اللَّهِ أَحْسَنَ الثَّنَاءِ وَأَعْظَمَهُ فَلْيَقُلْ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْك أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ. وَزَادَ بَعْضُهُم: فَلَكَ الْحَمْدُ حَتَّى تَرْضَى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت