فهرس الكتاب
[تنبيهانِ: الْأَوَّلُ] قَالَ ابْنُ نَاجِيٍّ: الْحَمْدُ لِلَّهِ ثَمَانِيَةُ أَحْرُفٍ، وَأَبْوَابُ الْجَنَّةِ ثَمَانِيَةٌ, فَمَن قَالَهَا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ.
الثَّانِي: قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَل الْأَفْضَلُ قَوْلُ الْعَبْدِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أو قولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ فَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ فِي ضِمْنِهِ التَّوْحِيدَ فَفِي قَوْلِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ تَوْحِيدٌ وَحَمْدٌ، وَفِي قَوْلِهِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تَوْحِيدٌ فَقَطْ وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ مِن حَدِيث أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَن قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كُتِبَ لَهُ عِشْرُونَ حَسَنَةً وَحُطَّ عَنْهُ عِشْرُونَ سَيِّئَةً، وَمَن قَالَ الْحَمْدُ لِلَّه رَبِّ الْعَالَمِينَ كُتِبَ لَهُ ثَلَاثُونَ حَسَنَةً وَحُطَّّ عَنْه ثَلَاثُونَ سَيِّئَةً ) ).
وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّهَا تَنْفِي الْكُفْرَ وَعَلَيْهَا يُقَاتَلُ الْخَلْقُ وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِِ وَسَلَّمَ: (( مِفْتَاحُ الْجَنَّةِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ) ).
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ بَعْدَ أَن اخْتَارَ هَذَا، وَالحَاكِمُ بِذَلِك قَوْلُ النَبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِِ وَسَلَّمَ:"أَفْضَلُ مَا قُلْتُهُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِن قَبْلِي لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ".
ثُمَّ إِنَّ الْحَمْدَ مَصْدَرُ"حَمِدَ"بفتحِ الحاءِ المُهمَلةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ، وَهُو لُغَةُ الْوَصْفِ بالجميلِ عَلَى الْفِعْلِ الْجَمِيلِ الاختياريِّ عَلَى وَجْهِ التعظيمِ, سَوَاءٌ كَانَ فِي مُقَابَلَةِ نِعْمَةٍ أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ تَعَلَّقَ بالفضائلِ أَي: الصِّفَاتِ الَّتِي لَا يَتَعَدَّى أَثَرُهَا للغيرِ كالحُسنِ واللَّطافة ِ، أَمْ بالفواضلِ أَي: الصِّفَاتِ الْمُتَعَدِّي أَثَرُهَا إِلَيْهِ كالإنعامِ وَالتَّعْظِيمِ والشجاعةِ.
وَعُلِمَ مِن قَوْلِنَا:"الْوَصْفِ"أَنَّه لَا يَكُونُ إِلَّا بِالْكَلَامِ؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ قَوْلُ الواصفِ فموْرِدُه أَي: مَحَلُّهُ خاصٌّ وَهُو اللِّسَانُ ومُتعلِّقُه أَي: السَّبَبُ الْبَاعِثُ إِلَيْهِ عَامٌّ. وَأُوْرِدَ عَلَى قَيدِ الِاخْتِيَارِ وَصْفُهُ تَعَالَى بِصِفَاتِهِ الذاتِيَّةِ كالعِلمِ والقُدرةِ وَالْإِرَادَةِ؛ لِأَنَّ تِلْك الصِّفَاتِ لَيْسَتْ بِأَفْعَالٍ وَلَا يُوصَفُ ثُبُوتُهَا بالاختيارِ، ويُجابُ بِأَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ منْشأً لأفعالٍ اختياريَّةٍ كَانَ الْحَمْدُ عَلَيْهَا باعتبارِ تِلْك الأفعالِ.
وَأَمَّا الْحَمْدُ عُرْفًا فَهُوَ فِعْلٌ يُنبِئُ عَن تَعْظِيمِ الْمُنْعِمِ بِسَبَبِ كَوْنِهِ مُنعِمًا، سواءٌ كَانَ ذَلِكَ الْفِعْلُ قَوْلًا بِاللِّسَانِ بِأَنْ يَأْتِيَ عَلَيْهِ بِه أَو اعتقادًا بِالْقَلْبِ بِأَن يَعْتَقِدَ اتِّصافَه بصفاتِ الْكَمَالِ أَو عَمَلًا وَخِدْمَةً بِالْأَرْكَانِ والجوارحِ بِأَن يَجْهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَتِهِ فموْرِدُهُ عَامٌّ وَهُو اللِّسَانُ وَغَيْرُهُ ومُتعلِّقُه خاصٌّ وَهُو النِّعْمَةُ كَمَا قِيلَ:
أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً ... يَدي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَ الْمُحَجَّبَا