فهرس الكتاب
وَهَذَا هُو الشُّكْرُ لُغَةً لَكِن بإبدالِ الحامدِ بالشاكرِ. وَأَمَّا اصطلاحًا فَهُوَ: صَرْفُ الْعَبْدِِ جَمِيعَ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِه عَلَيْهِ مِن سَمْعٍ وَبَصَرٍ وَغَيْرِهَما إِلَى مَا خُلِقَ لأجلِه مِن الطَّاعَاتِ كَأَنْ يَصْرِفَ الْبَصَرَ إِلَى الاطِّلاعِ عَلَى مَا فِي مصنوعاتِه مِن دقائقِ الصُّنْعِ العجيبِ وَالْحِكْمَةِ الْبَالِغَةِ، وَيَصْرِفَ الْقَلْبَ إِلَى التفكُّرِ فِيهَا والاستدْلالِ بِهَا عَلَى وُجُوهِ الصَّانِعِ وَصِفَاتِهِ، بِأَن يَسْتَدِلَّ بوجودِ الأثرِ عَلَى وجودِ الْمُؤَثِّر، ِ وبإتقانِ الْأَثَرِ وإحكامِه عَلَى عِلْمِ الْمُؤَثِّرِ وَقُدْرَتِهِ، وَكَأَنْ يَصْرِفَ السَّمْعَ إِلَى تَلَقِّي مَا يُنبِئُ عَن مرضَاتِه مِن الأوامِرِ والنواهِي وقِسْ عَلَى ذَلِكَ سَائِرَ النِّعَمِ الظاهرَةِ والباطنَةِ ولِعِزَّةِ هَذَا الْمَقَامِ قَالَ تَعَالَى: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ النِّسبةَ بَيْنَ الشُّكْرِ الاصطلاحِيِّ وَبَيْنَ كُلٍّ مِن الْحَمْدِ اللُّغويِّ والاصطلاحيِّ، والشكرِ اللُّغويِّ عمومٌ وخصوصٌ مُطْلَقٌ فالشكرُ الاصطلاحيُّ أَخَصُّ مِن الْجَمِيعِ فَهَذِهِ نِسَبٌ ثَلَاثَةٌ، والنسبةُ بَيْنَ الشُّكْرِ لُغَةً وَالْحَمْدِ اصطلاحا الترادُفُ، والنسبةُ بَيْنَ الْحَمْدِ اللُّغويِّ وَكُلٍّ مِن الْحَمْدِ الاصطلاحيِّ، والشكرِ اللُّغويِّ العمومُ والخصوصُ الوَجهِيُّ فهاتانِ نِسبتانِ تُضَمُّ إِلَى مَا قَبْلَهُمَا مَعَ الثَّلَاثَةِ السَّابِقَةِ فالجملةُ سِتَّةٌ كما قَالَ سَيِّدِي عَلِيٌّ الأَجْهُورِيُّ:
إِذَا نُسِبَا لِلْحَمْدِ والشُّكرِ رُمْتَهَا ... بِوَجْهٍ لَهُ عَقْلُ اللبيب يُؤالفُ
فَشُكْرٌ لَدَى عُرْفٍ أَخَصُّ جميعِهَا ... وَفِي لُغَةٍ للحمدِ عُرْفًا يُرادفُ
عمومٌ لِوَجْهٍ فِي سواهنَّ نِسْبَةً فذي نِسَبٌ سِتٌّ لِمَنْ هُو عارفُ
وأقسامُه أَرْبَعَةٌ: حَمْدُ قَدِيمٍ لِقَدِيمٍ وَهُو حَمْدُهُ تَعَالَى نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ أزلًا، وَحَمْدُ قَدِيمٍ لِحادِثٍ وَهُو حَمْدُ اللَّهِ لأنْبيائِهِ وأصْفيائِهِ، وَحَمْدُ حَادِثٍ لِحادثٍ وَهُو حَمْدُ الْعِبَادِ بَعْضُهُم لِبَعْضٍ، وَحَمْدُ حَادِثٍ لقَديمٍ وَهُو حمْدُنا اللَّهَ تَعَالَى وَاللَّامُ الداخلةُ عَلَى لَفْظِ الْجَلَالَةِ إِمَّا للاستحقاقِِ أَو للاختصاصِ أَو لِلْمُلْكِ و"أل"فِي الْحَمْدُ إِمَّا للجنسِ أَو للاستغراقِ أَو لِلْعَهْدِ، فتحصَّلَ مِن هَذَا احتمالاتٌ تِسْعَةٌ قَائِمَةٌ مِن ضَرْبِ ثَلَاثَةٍ فِي ثَلَاثَةٍ، الممنوعُ مِنْهَا وَاحِدٌ وَهُو جَعْلُ اللامِ لِلْمُلْكِ مَعَ جَعْلِ"أل"لِلْعَهْدِ إِذَا جُعِلَ المعهودُ الْحَمْدَ الْقَدِيمَ فَقَطْ؛ لِأَنَّ الْقَدِيمَ لَا يَمْلِكُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا جُعِلَ الْحَمْدُ المعهودُ حَمْدَ مَن يُعْتَدُّ بِحَمْدِهِ كحمْدِه تَعَالَى وَحَمْدِ أنبيائِه وأصفيائِهِ؛ لِأَنَّ المعهودَ حِينَئِذٍ هُو المجموعُ الْمُرَكَّبُ مِن الْقَدِيمِ والحادِثِ، وَمَا تَرَكَّبَ مِنْهُمَا فَهُوَ حَادِثٌ وَأَمَّا إِنْ جَعَلْتَ"أل"للاستغراقِ فَيَصِحُّ جَعْلُ اللامِ لِلْمُلْكِ لتحقُّقِهِ بالنظرِ للأفرادِ الحادثةِ، أَو للاستحقاقِ أَو للاختصاصِ بالنظرِ للأفرادِ الْقَدِيمَةِ، وَإِنْ لُوحِظَ المجموعُ صَحَّ جَعْلُهَا لِلْمُلْكِ أَيْضًا، وَإِنْ جُعِلَتَ للجنسِ صَحَّ جَعْلُهَا لِلْمُلْكِ بالنظرِ لتحقُّقِ الجنسِ فِي ضِمْنِ الأفرادِ الحادثةِ أَو للاستحقاقِ أَو للاختصاصِ بالنظرِ لتحقُّقهِ فِي الأفرادِ الْقَدِيمَةِ مَا لَمْ يُلَاحَظ المجموعُ كَمَا فِي الَّذِي قَبْلَهُ.
تَتِمَّةٌ: وَمِمَّا يَنْبَغِي التنبُّهُ لَهُ كَمَا قَالَ بَعْضُهُم: إِنَّ الْحَمْدَ الْقَدِيمَ هو الكلامُ القديمُ باعتبارِ دَلالَتِهِ عَلَى الكمالاتِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ الْقَدِيمَ وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا بالذاتِ لَكِن يتنوَّعُ بالاعتبارِ إِلَى أَنْوَاعٍ كَثِيرَةٍ، كَمَا هُو مَشْهُورٌ, فيتنوَّعُ إِلَى أَمْرٍ وَنَهْيٍ، وَوَعْدٍ وَوَعَيدٍ، وَخَبَرٍ واستخْبارٍ، وقَصَصٍ وأمثالٍ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
وأركانُه خَمْسَةٌ: حَامِدٌ وَمَحْمُودٌ وَمَحْمُودٌ بِه وَمَحْمُودٌ عَلَيْهِ، وصيغةٌ فَإِذَا أَثْنَيْتَ عَلَى زَيْدٍ لكونِه أَكْرَمَكَ مَثَلًا كَأَنْ قُلْتَ: زَيْدٌ عَالِمٌ فَأَنْتَ يُقَالُ لَك: حَامِدٌ، وَزَيْدٌ يُقَالُ لَهُ: مَحْمُودٌ، وثبوتُ الْعِلْمِ مَحْمُودٌ بِه، وَالْإِكْرَامُ مَحْمُودٌ عَلَيْهِ، وَقَوْلُكَ زَيْدٌ عَالِمٌ هُو الصيغةُ ثُمَّ إِنَّ الْمَحْمُودَ بِه والمحمودَ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْمِثَالِ اخْتَلَفَا ذاتًا واعتبارًا.