فهرس الكتاب
وَقَد يتَّحِدانِ ذاتًا ويختلِفانِ اعتبارًا، كَأَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا الْإِكْرَامَ غَيْرَ أَنَّه مِن حَيْثُ كَوْنُهُ مدلولَ الصيغةِ يُقَالُ لَهُ: مَحْمُودٌ بِه، وَمَن حَيْثُ كَوْنُهُ باعثًا عَلَى الْحَمْدِ يُقَالُ لَهُ، مَحْمُودٌ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (الَّذِي) اسْمُ مَوْصُولٍ جُزْئِيٍّ وَضْعًا واستعمالًا كَمَا قَالَهُ الْعَضُدُ وَالسَّيِّدُ خلافًا لِقَوْلِ السعْدِ كُلِّيٌّ وَضْعًا جُزْئِيٌّ استعمالًا يُذْكَرُ ليُتوصَّلَ بِه إِلَى وَصْفِ المعارفِ بِالْجُمَلِ, وَحَقُّ الْجُمْلَةِ الموصولِ بِهَا أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةَ الانتسابِ عِنْدَ المُخَاطَبِ إِلَى المُشارِ إِلَيْهِ بِحَسَبِ الذِّهنِ وَهُو هُنَا نَعْتٌ لاسمِ الْجَلَالَةِ باعتبارِ صِلَتِهِ لورُودِه فِي الْقُرْآنِ, كَذَلِك جِيءَ بِه للمدحِ مَعَ زِيَادَةِ تقريرٍ للغرضِ المسُوقِ لَهُ الْكَلَامُ مِن استحقاقِه تَعَالَى الْحَمْدَ وانفرادِه بِه، وَبَيَانِ نِعَمِهِ الْمُوجِبَةِ لحمْدِه بمقتضى أَمْرِه بشُكرِ الْمُنْعِمِ.
(قَوْلُهُ: لَمْ يَزَلْ) إِشَارَةٌ إِلَى قِدَمِ الصِّفَاتِ، وَلَمْ يَقُلْ وَلَا يَزَالُ للزومٍ؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَت الصِّفَاتُ قَدِيمَةً يَكُونُ الْمَوْصُوفُ قَدِيمًا، وَذَكَرَ مِن صِفَاتِ الْمَعَانِي الْعِلْمَ والقُدرةَ وَالسَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْحَيَاةَ، وَلَمْ يُتَمِّمَ الْكَلَامَ عَلَى بَقِيَّةِ الصِّفَاتِ، وَهَي الإرادةُ وَالْكَلَامُ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يتلَبَّسَ بِحَدِيثِ النَبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِِ وَسَلَّمَ لا بُدَّ أَنْ يَعْلَمَ هَذِهِ الصِّفَاتِ فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: احْذَرْ أَنْ تَنْقُلَ شَيْئًا مِن الْأَحَادِيثِ عَلَى خِلَافِ مَا وَرَدَ فَهَذِهِ الصِّفَاتُ بِهَا المؤاخذُةُ فلا بُدَّ لراوي الْحَدِيثِ مِن أَنْ يَكُونَ عَلَى مَعْرِفَةٍ وَإِتْقَانٍ، وَذَكَرَ الْحَيَاةَ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ للصفاتِ وَلَمْ يُقَدِّمِ الْحَيَاةَ عَلَى الْعِلْمِ وَإِنْ كَانَتْ هِي الْأَصْلُ؛ لِأَنَّهَا مِن كَلَامِ الشارحِ، والمتنُ لَمْ يَذْكُرْهَا؛ لِأَنَّهُ قَالَ: الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَالِمًا قَدِيرًا وَكَانَ الأنسبُ أَنْ يَقُولَ عَلِيمًا؛ لمناسبةِ قَدِيرًا.
(قَوْلُهُ: عَالِمًا) الْعِلْمُ صِفَةٌ يَنْكَشِفُ بِهَا الْمَعْلُومُ عَلَى مَا هُو بِه انْكِشَافًا لَا يَحْتَمِلُ النقيضَ بِوَجْهٍ، وَمَعْنَى يَنْكَشِفُ: يتَّضِحُ فَخَرَجَ الظَّنُّ وَالشَّكُّ وَالْوَهْمُ؛ لِأَنَّ احتمالَ نَقِيضِ المظنونِ مَثَلًا يَمْنَعُ انكشافَه، وَعَلَى مَا هُو بِه تَأْكِيدٌ وتصريحٌ بِإِخْرَاجِ الْجَهْلِ الْمُرَكَّبِ؛ فإِنه لَا يَنْكَشِفُ بِه الْمَعْلُومُ عَلَى مَا هُو بِه وَخَرَجَ بِلَا يَحْتَمِلُ النقيضَ, الاعتقادُ الجازمُ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِل النقيضَ بتشكيكِ مُشكِّكٍ، والمعلومُ مَا شَأْنُهُ أَنْ يُعْلَمَ وَهُو كُلُّ وَاجِبٍ وَكُلُّ جَائِزٍ وَكُلُّ مستحيلٍ، وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ بالواجباتِ والجائزاتِ والمستحيلاتِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِن صِفَاتِ التأثيرِ.
(قَوْلُهُ: قَدِيرًا) الْقُدْرَةُ الأَزليَّةُ عبارةٌ عَن صِفَةٍ يتأَتَّى بِهَا إِيجادُ كُلِّ مُمْكِنٍ وإِعدامُه عَلَى وَفْقِ الإرادةِ, فالأزليَّةُ احترازٌ عَن الحادثةِ فَلَا ثأثيرَ لَهَا فِيمَا قَارَنَهَا, وَمَعْنَى يتأَتَّى بِهَا أَي: يتحصَّلُ بِهَا إيجادُ كُلِّ مُمْكِنٍ، والإيجادُ إِخْرَاجُ الممكنِ مِن العدَمِ إِلَى الوجودِ، وَكُلُّ مُمْكِنٍ يَتَنَاوَلُ أفعالَنا الاختياريَّةَ: كحركاتِنا وسَكناتِنا، وَتَنَاوَلَ مَا لَهُ سَبَبٌ: كالإحْراقِ الموجودِ عِنْدَ مُمَاسَّةِ النَّارِ الشَّيْءَ المُحرَقَ وَمَا لَا سَبَبَ لَهُ كخلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، والإعْدامُ بِكَسْرِ الهمزةِ هُو تصييرُ الشَّيْءِ لَا شَيْءَ كَمَا كَانَ أَوَّلًا، وَهَذَا عَلَى الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ، وَمَعْنَى عَلَى وَفْقِ الإرادةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَخْلُقُ وَيُوجِدُ بقُدرتِه إِلَّا مَا أَرَادَ أَي: إِلَّا مَا خصَّصَهُ بإرادتِه، وَالْإِرَادَةُ صِفَةٌ يتأَتَّى بِهَا تخصيصُ الممكنِ بِبَعْضِ مَا يَجُوزُ عَلَيْهِ، وَمَعْنَى التخصيصِ: ترجيحُ بَعْضِ الْجَائِزِ عَلَيْهِ عَلَى البعضِ الْآخَرِ وَالَّذِي يَجُوزُ عَلَيْهِ المُمْكِناتُ المتقابِلاتُ وَهَي: الوجودُ والعدَمُ، والمقاديرُ والصفاتُ، والأزمنةُ والأمْكِنَةُ والجهاتُ، فالمُمكنُ يَجُوزُ عَلَيْهِ الوجودُ والعدَمُ فتخصيصُهُ بالوجودِ دُونَ العدَمِ تَأْثِيرٌ للإرادةِ فِيهِ وإيجادُه هُو تَأْثِيرُ الْقُدْرَةِ فِيهِ، وَمَعْنَى التَّعلُّقِ: طَلَبُ الصِّفَةِ أَمْرًا زائدًا عَلَى قِيَامِهَا بمحَلِّها فالصِّفةُ تستلزمُ مَحَلًّا أَي: ذاتًا تَقُومُ بِهَا فَإِنْ اقتضَتْ أَمْرًا زائدًا عَلَى ذَلِكَ سُمِّيَت مُتَعَلِّقَةً كالقدرةِ الَّتِي تقتضِي المُمكناتِ فتخصيصُها بِبَعْضِ مَا جَازَ عَلَيْهَا إِلَى آخِرِهَا، وَالْحَيَاةُ لَا تَطْلُبُ أَمْرًا زائدًا عَلَى قِيَامِهَا بمحَلِّها فَلَيْسَتْ مُتَعَلِّقَةً.