فهرس الكتاب
(قَوْلُهُ: حَيًّا) الْحَيَاةُ صِفَةٌ تُصحِّحُ لِمَنْ قَامَتْ بِه الإدراكَ أَي: تَثْبُتُ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا سَمِيعًا بَصِيرًا، وَهِيَ شَرْطٌ فِي الْجَمِيعِ يَلْزَمُ مِن عدمِها عَدَمُ جَمِيعِ صِفَاتِ الْمَعَانِي، وَلَا يَلْزَمُ مِن وجودِها وجودٌ وَلَا عَدَمٌ، وَهَذَا حَقِيقَةُ الشَّرْطِ.
(قَوْلُهُ: قَيُّومًا) وَزْنُهُ فَيْعُولٌ مِن الْقِيَامِ وَحِينَئِذٍ فأصلُه قَيْوُومٌ بِواوَيْنِ قَبْلَهُمَا يَاءٌ سَاكِنَةٌ فأُبدِلت الْوَاوُ الْأُولَى يَاءً وأُدغِمَتْ فِي الْيَاءِ الساكنةِ فَصَارَ قَيُّومًا. وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ، فَقَالَ قَتَادَةُ: مَعْنَاهُ الْقَائِمُ بتدبيرِ خَلْقِهِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مَعْنَاهُ الْقَائِمُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَعْنَاهُ الدَّائِمُ الوجودِ الَّذِي لَا يَحُولُ وَلَا يَزُولُ، وَقِيلَ: الْعَالِمُ بالأشياءِ. وَقَالَ الْقُشَيْرِيُّ: مَعْنَاهُ الدَّائِمُ الْقَائِمُ بتدبيرِ خَلْقِهِ وحفْظِهم، وَهُو أَحْسَنُ الأقوالِ وأجمعُها.
قَالَ تَعَالَى {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا} وَعَلَيْهِ فَمَعْنَى الْقَيُّومِ فِي وَصْفِهِ تَعَالَى أَنَّه الْمُدَبِّرُ والمُتوَلِّي لِجَمِيعِ الْأُمُورِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْعَالَمِ، والحافظُ لَهَا، وَمَعْنَى قَيُّومِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ مُقيمُهما ومُوجِدُهما وحافِظُهمَا.
وَقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَاهِرِ: إِنْ أَخَذْنَا الْقَيُّومَ مِن مَعْنَى الْقِيَامِ عَلَى النُّفُوسِ بأرْزاقِها وآجالِها والجزاءِ لَهَا عَلَى اكتِسابِها كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ {أَفَمَنْ هُو قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} كَانَ مِن أوصافِه المُشتقَّةِ مِن أفعالِه وَلَمْ يَكُنْ مِن صفاتِه الأزليَّةِ، وَإِنْ أَخَذْنَاهُ مِن مَعْنَى الدَّائِمِ؛ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا} أَي: مواظِبًا مُديمًا لِلْقِيَامِ كَانَ مِن صفاتِه الذاتيَّةِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مِن مَعْنَى الْبَاقِي، وبقاؤُه صِفَةٌ أزليَّةٌ انْتَهَى.
وَفِيهِ أَرْبَعُ لغاتٍ: قَيُّومٌ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ، وَقَيْئُومٌ بالهمزةِ، وَقَيِّمٌ وَقَيَّامٌ، وبهما قُرِئَ شَاذًّا ذَكَرَهُ الشَّبْرَخِيتِيُّ عَلَى الْأَرْبَعِينَ.
(قَوْلُهُ: سَمِيعًا بَصِيرًا) هُمَا فِي حَقِّهِ تَعَالَى صِفتانِ وُجوديَّتانِ قائمتانِ بِذَاتِهِ تَعَالَى يتعلَّقانِ بِكُلِّ مَوْجُودٍ عَلَى وَجْهِ الإحاطةِ تعلُّقا زائدًا عَلَى تَعَلُّقِ الْعِلْمِ، وَهَذَا هُو التَّحقيقُ عِنْدَ السَّنُوسِيِّ وَالْأَشْعَرِيِّ لَا بالمسموعاتِ والمُبصِرَاتِ فَقَطْ خلافًا للسعْدِ، وَأَمَّا فِي حَقِّ الحوادِثِ فالسمعُ قُوَّةٌ مُودَعةٌ فِي الْعَصَبِ المفروشِ فِي مَقعرِ الصِّماخِ، وَالْبَصَرُ قُوَّةٌ مركوزةٌ فِي العصبيَّتَيْنِ المُتلاقيتَيْنِ فِي مُقَدَّمِ الدِّمَاغِ عَلَى وَجْهِ التقاطُعِ الصليبِيِّ هَكَذَا + أَو عَلَى هَيْئَةِ دالَيْنِ ظَهْرُ كُلٍّ فِي ظَهْرِ الْأُخْرَى هَكَذَا >< وَهَذَا تعريفُهما عِنْدَ الْحُكَمَاءِ.
وَأَمَّا عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ فالسمعُ قُوَّةٌ خَلَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي الْأُذُنَيْنِ، وَالْبَصَرُ قُوَّةٌ خَلَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي الْعَيْنَيْنِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ السَّمْعَ أَفْضَلُ مِن الْبَصَرِ فِي حَقِّ الحوادثِ، وَقِيلَ: الْبَصَرُ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ يُدْرَكُ بِه الأجسامُ والألوانُ والهيئاتُ بِخِلَافِ السَّمْعِ؛ فإِنَّه قَاصِرٌ عَلَى الْأَصْوَاتِ، وَرُدَّ بِأَنَّ كَثْرَةَ هَذِهِ المُتعلِّقاتِ فوائدُ دُنيويَّةٌ لَا تُعْتَبَرُ, أَلَا تَرَى أَنَّ مَن جَالَسَ أَصَمَّ فكأَنَّما جَالَسَ حَجَرًا مُلْقًى، وَأَمَّا الْأَعْمَى فَفِي غَايَةِ الْكَمَالِ الْفَهْمِيِّ وَالْعِلْمِ الذوقِيِّ.
(قَوْلُهُ: وَأَشْهَدُ) هَذَا معطوفٌ عَلَى مُتَعَلِّقِ الْجَارِّ والمجرورِ فِي الْبَسْمَلَةِ أَو عَلَى مَعْنَى الْحَمْدِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى مَعْنَى أَحْمَدُ اللَّهَ حَمْدًا وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ حَالًا مِن وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْجُمْلَةَ الحاليَّةَ إِذَا كَانَتْ مُضارعيَّةً مُثْبَتَةً واشتمَلَت عَلَى ضميرِ صَاحِبِهَا يَمْتَنِعُ دُخُولُ الْوَاوِ عَلَيْهَا، وَأَمَّا نَحْوُ قُمْتُ وَأَصُكُّ وَجْهَكَ فشاذٌّ، أَو مُؤَوَّلٌ كَمَا فِي كُتُبِ الْعَرَبِيَّةِ، وَالشَّهَادَةُ لُغَةً الْإِخْبَارِ بِصِحَّةِ الشَّيْءِ عَن مُشاهَدَةٍ وتجِيءُ بِمَعْنَى أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، وَبِمَعْنَى الْحُضُورِ، وَبِمَعْنَى الْقَسَمِ بِفَتْحِ القافِ وَالسِّينِ المُهملَةِ أَي: الْحَلِفِ.
وَأَمَّا الْقَسْمُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وسكونِ ثَانِيهِ فَهُوَ الْمَصْدَرُ الَّذِي هُو فِعْلُ الْفَاعِلِ وَهُو تَمْيِيزُ الأَنْصباءِ بعضِها عَن بَعْضٍ. وَأَمَّا الْقِسْمُ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وسكونِ ثَانِيهِ فَهُوَ النَّصيبُ، والمرادُ بِهَا هُنَا الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ والإذعانُ بِالْقَلْبِ أَي: أُقِرُّ بِلِسَانِي وأَذْعَنُ بِقَلْبِي أَنَّه