الصفحة 19 من 219

أَي: الْحَالَ وَالشَّأْنَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَكِن استعْمالُها فِي إِقْرَارِ اللِّسَانِ، وإذعانُ الْقَلْبِ مَجَازٌ لُغويٌّ صَارَ حَقِيقَةً عُرفيَّةً والإقْرَارُ بِدُونِ إذعانٍ لَا يَكْفِي كَمَا وَقَعَ لَكَثِيرٍ مِن الْمُنَافِقِينَ، قَرَّرَهُ الشَّيْخُ الْعَدَوِىُّ. وَأَتَى بِالشَّهَادَةِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِِ وَسَلَّمَ: (( كُلُّ خُطْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَشَهُّدٌ فَهِيَ كَالْيَدِ الْجَذْمَاءِ ) )أَي: فِي النَّقْصِ.

(قَوْلُهُ: أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّهُ) أَنْ مُخَفَّفَةٌ مِن الثَّقِيلَةِ واسمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ, وجملةُ لَا إِلَه إِلَّا اللَّهُ خَبَرُهَا, وَلَا نافيةٌ للجنسِ, وَإِلَهَ اسْمُهَا مَبْنِيٌّ مَعَهَا عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ, وَإِلَّا حَرْفُ اسْتِثْنَاءٍ, وَاللَّهُ يَصِحُّ فِيهِ الرَّفْعُ عَلَى أَنَّه بَدَلٌ مِن الضميرِ المُستترِ فِي خَبَرِ لَا أَي: مَوْجُودٌ أَو مُمْكِنٌ, أَو أَنَّه بَدَلٌ مِن مَحَلِّ لا مع اسْمِهَا؛ لِأَنَّ محَلَّهما رَفْعٌ بالابتداءِ عِنْد سِيبَوَيْهِ وَلَا يَصِحُّ رَفَعُهُ عَلَى أَنَّه خَبَرٌ لَا لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِن كَوْنِ لَا عَمِلَت فِي مَعْرِفَةٍ, وَلَا إِنَّمَا تَعْمَلُ فِي النَّكراتِ, وَيَصِحُّ فِيهِ النَّصْبُ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ لَا عَلَى أَنَّه بَدَلٌ مِن اسْمِ لَا باعتبارِ مَحَلِّهِ؛ لِأَنَّ الْبَدَلَ عَلَى نِيَّةِ تَكْرَارِ الْعَامِلِ فيلزمُ عَلَيْهِ إعْمَالُ لَا فِي الْمَعْرِفَةِ وَهِيَ لَا تَعْمَلُ فِيهَا كَمَا عَلِمْتَ وَمَعْنَاهَا الحقيقيُّ لَا معبودَ بِحَقٍّ إِلَّا اللَّهُ ويلزمُ مِن ذَلِكَ كَوْنُهُ مُستغنِيًا عَن كُلِّ مَا سِوَاهُ ومُفتقِرًا إِلَيْهِ كُلُّ مَا عداه.

(قَوْلُهُ: إِلَّا اللَّهُ) بِالرَّفْعِ بَدلٌ مِن الضميرِ فِي الْخَبَرِ المحذوفِ وَيَجُوزُ نَصْبُهُ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ.

(قَوْلُهُ: وَحْدَهُ) مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ مِن لَفْظ الْجَلَالَةِ. فَإِن قُلْتَ شَرْطُ الْحَالِ أَنْ يَكُونَ نَكِرةً وَوَحْدَهُ مُعَرَّفَةٌ بالإضافةِ. قُلْتُ: هُو مؤوَّلٌ بنكرةٍ أَي مُتَوَحِّدًا أَي: مُنْفَرِدًا قَالَ ابْنُ مَالِكٍ:

وَالْحَالُ إِنْ عُرِّفَ لَفْظًا فاعتَقِدْ تنكيرَه مَعْنًى كوحدِك اجْتَهِدْ

وَقَوْلُهُ: (وَحْدَهُ) أَي فِي ذاتِه وَصِفَاتِهِ وأفعالِه, فَيَكُونُ نافِيًا للكمِّ المُتصلِ فِي الذَّاتِ والصفاتِ وللكمِّ المُنفصلِ فِي الذَّاتِ والصفاتِ والأفعالِ.

وَقَوْلُهُ: (لَا شَرِيكَ لَهُ) أَي: فِي أفعالِه, فَهِيَ حَالٌ مؤكِّدةٌ والأظهرُ أَنَّ قَوْلَهُ: وَحْدَهُ أَي فِي ذاتِه وَصِفَاتِهِ وَقُولُه لَا شَرِيك لَهُ أَي: فِي أفعالِه فَهِيَ حَالٌ مُؤسسةٌ والتأسيسُ أَوْلَى مِن التأكيدِ؛ لِأَنَّ الإفادةَ خَيْرٌ مِن الْإِعَادَةِ, وَأَمَّا مَا اشْتُهِرَ مِن أَنَّ الْخُطَبَ مَحَلُّ إطْنَابٍ لكونها ثَنَاءً أَو دُعَاءً أَو تَشَهُّدًا أَو بَيَانَ الْحَامِلِ عَلَى التَّأْلِيفِ فَيَنْبَغِي فِيهَا الْبَسْطُ- فَهُوَ أَمْرٌ بَعْدَ الْوُقُوعِ وَالنُّزُولِ يُرتكبُ إِذَا لَمْ يُمَكِنْ خِلَافُهُ, أَفَادَهُ الشَّيْخُ الْعَدَوِىُّ.

(قَوْلُهُ: وَأُكَبِّرُهُ تَكْبِيرًا) أَي أُعَظِّمُهُ وأعتقدُ أَنَّه أَكْبَرُ مِن أَنْ يُحاطَ بِكُنْهِ كِبْريائِه تَعْظِيمًا, فالتكبيرُ وَصْفُهُ تَعَالَى بالكبرياءِ عَقْدًا وَقَوْلًَا. رُوِيَ أَنَّه لَمَّا نَزَلَ {وَرَبَّك فَكَبِّرْ} كَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِِ وَسَلَّمَ وَأَيْقَنَ أَنَّه الْوَحْيُ؛ وَذَلِك أَنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَأْمُرُ بِذَلِك.

(قَوْلُهُ: وَصَلَّى اللَّهُ) قَالَ الْإِمَامُ: الشافعيُّ رَضيَ اللهُ عنهُ أُحِبُّ أنْ يُقَدِّمَ المرءُ بَينَ يَدَيْ خُطْبَتِهِ وكُلِّ أمرٍ طَلَبهُ حَمْدَ اللهِ والثناءِ عَلَيْهِ سبحانَه وَتَعَالَى, وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِِ وَسَلَّمَ، وَنَقَلَ الفاكِهانيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ عَن الْعُلَمَاءِ أَنَّ حُكْمَ الابتداءِ بِالْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ وَالصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِِ وَسَلَّمَ الِاسْتِحْبَابُ لِكُلِّ مُصنِّفٍ ودارسٍ ومُدرِّسٍ وخاطبٍ وخطيبٍ ومتزوِّجٍ ومُزوِّجٍ وَبَيْن يَدَي سَائِرِ الْأُمُورِ المهمَّةِ؛ امتثالًا لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ صَلَّى عَلَيَّ فِي كِتَابٍ لَمْ تَزَلِ الْمَلَائِكَةُ تَسْتَغْفِرُ لَهُ مَادَامَ اسْمِي فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ ) )ولقولِه تَعَالَى: {وَرَفَعْنَا لَك ذِكْرَكَ} أَي: لَا أُذْكَرُ إِلَّا وَتُذْكَرُ مَعِي, وَالْمَشْهُورُ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنَّهَا خبريَّةٌ لَفْظًا إنشائيةٌ مَعْنًى, وَمَعْنَاهَا طَلَبُ رَحْمَةٍ أَي: إنعامٌ مَقْرُونٌ بتعظيمٍ مِن اللَّهِ تَعَالَى. فَإِن قُلْتَ: الرَّحْمَةُ حاصلةٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَطَلَبُهَا طَلَبٌ لِمَا هُو حاصلٌ قُلْتُ: المقصودُ بِصَلَاتِنَا عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِِ وَسَلَّمَ طَلَبُ رَحْمَةٍ لَمْ تَكُن حاصلةً لَهُ فإنَّه مَا مِن وَقْتٍ إِلَّا وهناك نَوْعٌ مِن الرَّحْمَةِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ, فَلَا يَزَالُ يَترقَّى فِي الكمالاتِ إِلَى مَا لَا نهايةَ لَهُ؛

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت