الصفحة 20 من 219

إِذْ مَا مِن كَمَالٍ إِلَّا وَعِنْدَ اللَّهِ أَكْمَلُ مِنْهُ كَمَا يُشِيرُ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى {وَلَلْآخِرةُ خَيْرٌ لَكَ مِن الْأُولَى} بِنَاءً عَلَى مَا قَالَهُ أَهْلُ التحقيقِ مِن أَنَّ الْمَعْنَى وَلَا اللحظةُ المتأخِّرةُ خَيْرٌ لَك مِن اللحظةِ الْمُتَقَدِّمَةِ, فَهُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِِ وَسَلَّمَ يَنْتَفِعُ بِصَلَاتِنَا عَلَيْهِ عَلَى الصَّحِيحِ لَكِن لَا يَنْبَغِي لِلْمُصَلِّي أَنْ يَقْصِدَ ذَلِكَ بَل يَقْصِدَ أَنَّه مُفتقِرٌ إِلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِِ وَسَلَّمَ, وَأَنَّهُ يَتوسَّلُ بِه إِلَى رَبِّهِ فِي نَيْلِ مطلوبِه؛ لِأَنَّهُ الواسطةُ الْعُظْمَى فِي إيصالِ النِّعَمِ إِلَيْنَا, وَلِذَا طَلَبُ الدُّعَاءِ لَهُ بِالصَّلَاةِ بَعْدَ الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى لَكِن لَمَّا تَعَلَّقَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ بالمخلوق وَمَا قَبْلَهَا بالخالقِ أَتَى بالعاطفِ بِخِلَافِ جُمْلَةِ الْبَسْمَلَةِ والحمدلةِ.

وَاعْلَمْ أَنَّ للصَّلَاةِ ثَلَاثَ مَعَانٍ؛ الْأَوَّلُ لُغويٌّ فَقَطْ وَهُو الدُّعَاءُ مُطلقا وَقِيلَ بِخَيْرٍ, وَالثَّانِي شَرْعِيٌّ فَقَطْ وَهُو أقوالٌ وأفعالٌ مفتتحةٌ بِالتَّكْبِيرِ مُختتمةٌ بِالتَّسْلِيمِ بشرائطَ مخصوصةٍ, وَالثَّالِثُ لُغويٌّ وشرعيٌّ, وَهُو عِنْدَ الجمهورِ بالنسبةِ لِلَّه الرَّحْمَةُ وبالنسبةِ لِلْمَلَائِكَةِ الاستغفارُ وبالنسبةِ لِغَيْرِهِمْ وَلَوْ حَجَرًا وَشَجَرًا الدُّعَاءُ, فَهِيَ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي معانيها حَقِيقَةً فَعَلَى هَذَا تَكُونُ مِن الْمُشْتَرَكِ اللفظيِّ, وضابطُه أَنْ يَتَّحِدَ اللَّفْظُ ويتعدَّدَ الْمَعْنَى كَمَا فِي لَفْظِ عَيْنٍ فإنَّه وَاحِدٌ وَمَعْنَاهُ متعدِّدٌ؛ لِأَنَّهُ وُضِعَ للباصرةِ بِوَضْعٍ وللجاريةِ بِوَضْعٍ وللذهبِ وَالْفِضَّةِ بِوَضْعٍ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَعِنْدَ ابْنِ هِشَامٍ أَنّ مَعْنَاهَا العطفُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ ثُمَّ يتضمَّنُ الْمَعَانِيَ بِحَسَبِ مَا أُسْنِدَ إِلَيْهِ, فبالنسبةِ لِلَّه الرَّحْمَةُ إِلَخْ وَعَلَيْهِ فَتَكُونُ مِن الْمُشْتَرَكِ المعنويِّ, وضابطُه أَنْ يتَّحِدَ كُلٌّ مِن اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى, لَكِن يَكُونُ لِذَلِكَ الْمَعْنَى أفْرَادٌ مُشْتَرَكَةٌ فِيهِ. كَمَا فِي لَفْظِ أَسَدٍ فَإِنَّهُ وَاحِدٌ وَمَعْنَاهُ وَاحِدٌ وَهُو الْحَيَوَانُ المُفترِسُ لَكِن لِذَلِكَ الْمَعْنَى أفْرَادٌ مُشْتَرَكَةٌ فِيهِ.

تنبيهٌ: يُكْرَهُ الدُّعَاءُ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِِ وَسَلَّمَ بِالرَّحْمَةِ فِي غَيْرِ مَا وَرَدَ؛ لِأَنَّهُ كإخوانِه مِن النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ خُصُّوا بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ، والصحابةِ بالتَرضِّي، وَبَقِيَّةِ الْمُؤْمِنِينَ بِالرَّحْمَةِ.

(قَوْلُهُ: عَلَى سَيِّدِنَا) إِنْ قُلْتَ: إِنَّ الدُّعَاءَ إِنْ كَانَ بِخَيْرٍ تَعَدَّى باللامِ وَإِنْ كَانَ بِشْرٍّ تَعَدَّى بِعَلَى. قُلْتُ: إنَّه ضَمَّنَ الصَّلَاةَ مَعْنى العطفِ وَهُو يَتَعَدَّى بِعَلَى وَالْأَوْلَى فِي الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: مَحَلُّ ذَلِكَ مَا لَمْ يَكُن بعنوانِ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ, فَإِنْ كَانَ بِه تَعيَّنَ تَعْديتُه بِعَلَى للفرقِ بَيْنَ صَلَّيْتُ لَهُ وَصَلَّيْتُ عَلَيْهِ وسلَّمتُ لَهُ وسلَّمتُ عَلَيْهِ, فَلَوْ تَعَدَّى باللَّامِ لأوهَمَ مَعْنًى فَاسِدًا؛ لِأَنَّ صَلَّيْتُ لَهُ مَعْنَاهُ عَبدْتُه, وسلَّمتُ لَهُ مَعْنَاهُ فوَّضْتُ لَهُ الْأَمْرَ ولأنه خِلَافُ الْوَارِدِ فِي الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ، وَالسَّيِّدُ مِن سَادَ قَوْمَه حِلْمًا وَكَرَمًا كَمَا قَالَ بَعْضُهُم:

بِبذلٍ وحِلمٍ سَادَ فِي قَوْمِه الْفَتَى وكونُك إِيَّاهُ عَلَيْك يَسِيرُ

ويُطلقُ عَلَى مَن يَفْزَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِي الخطوبِ أَي: الشَّدَائِدِ وَعَلَى مَن كَانَ فاضِلًا فِي نَفْسِهِ مُهذَّبًا حَلِيمًا, وَعَلَى مَن كَثُرَ سَوَادُهُ أَي: جيشُه وَكُلُّ هَذَا مَوْجُودٌ فِيهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِِ وَسَلَّمَ، وَإِطْلَاقُ السَّيِّدِ عَلَى غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى جَائِزٌ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ، وأمَّا حَدِيثُ: (( لَا تُسَيِّدوني إِنَّمَا السَّيِّدُ اللَّهُ ) )أَو كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فمعناه أَنّ السَّيِّدَ عَلَى الإطلاقِ عَلَى وَجْهِ الْحَقِيقَةِ هُو اللَّهُ تَعَالَى دُونَ غَيْرِهِ, وَأَصْلُهُ سَيْودُ اجْتَمَعَت الْوَاوُ والياءُ وسَبَقَتْ إِحْدَاهُمَا بِالسُّكُونِ فَقُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً وأُدغمت الْيَاءُ فِي الْيَاءِ فَصَارَ سَيِّدًا, والضميرُ لِمعاشرِ المخلوقاتِ مِن إِنْسٍ وجِنٍّ وَمَلَكٍ وَغَيْرِهِمْ, قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: (( أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ ) )أَي: وَلَا فَخْرَ أَعْظَمُ مِن ذَلِكَ أَوْ لَا أَقُولُ ذَلِكَ فَخْرًا, بَل إخْبَارًا بالواقعِ وتحدُّثًا بِالنِّعْمَةِ عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} (( وَبِيَدِي لِوَاءُ الْحَمْدِ ) )أَي: رَايَتُهُ (( وَلَا فَخْرَ وَمَا مِن نَبِيٍّ يَوْمَئِذٍٍ آدَمَ فَمَنْ سِوَاهُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت