الصفحة 21 من 219

إِلَّا تَحْتَ لِوَائِي, وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْه الْأَرْضُ وَلَا فَخْرَ وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ )) أَي: مَقْبُولِ الشَّفَاعَةِ (( وَلَا فَخْرَ ) )وَخَصَّ السيادةَ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ لِأَنَّ الْخَلْقَ يَتَّفقونَ عَلَيْهَا فِيهِ حِينَ يَرَوْنَ كَرَامَتَهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَيثبِتُها الْمُسْلِمُونَ وينفِيها الْكُفَّارُ, وَإِذَا سَادَ وَلَدَ آدَمَ سَادَ غَيْرَهمْ بِالْأَوْلَى وَمَن جُمْلَةِ وَلَدِ آدَمَ أُولُو الْعَزْمِ وَهُمْ أَفْضَلُ مِن آدَمَ, فَيَكُونُ سَيِّدَ آدَمَ أَيْضًا بِالْأَوْلَى وسيادَتُه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِِ وَسَلَّمَ عَلَى جَمِيعِ المخلوقاتِ ثَابِتَةٌ بالإجماعِ وَلَا اعْتِبَارَ بِتَفْضِيلِ الزَّمخْشَرِيِّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِِ وَسَلَّمَ؛ فَإِنَّهُ خارقٌ للإجماعِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِِ وَسَلَّمَ: (( لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا تُفضِّلونِي عَلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى ) )فالجوابُ عَنْه أَنَّه نَهَى عَن تَفْضِيلٍ يُؤَدِّي إِلَى نَقصٍ فِي مَرَاتِبِهِم العلِيَّةِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ كُفْرٌ صَرِيحٌ أَو نَهْيٌ عَن تَفْضِيلٍ فِي أَصْلِ النُّبُوَّةِ إِذْ لَا يتفاوتونَ فِيهِ وَإِنْ تَفاوتوا فِي الخصائصِ، وَقَد قَالَ تَعَالَى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُم دَرَجَاتٍ} .

(قَوْلُهُ: مُحَمَّدٍ) عَلَمٌ منقولٌ مِن اسْمِ مَفْعُولِ الْفِعْلِ المُضعَّفِ: أَي المكرَّرِ الْعَيْنِ, مُشْتَقٌّ مِن الْحَمْدِ الَّذِي هُو ضِدُّ الذَّمِّ وَهُو مجرورٌ بَدَلٌ أَو عطفُ بَيَانٍ لسيِّدِنا والبدلُ وَإِنْ كَانَ يُفيدُ شَيْئَيْنِ أَحَدَهُمَا بِطَرِيقِ الْقَصْدِ وَهُو تقريرُ النسبةِ, وَالثَّانِي بِطَرِيق التَّبعِ وَهُو توضيحُ ما قَبلَه, لَكِن المرادُ مِنْهُ هُنَا الثَّانِي وَهُو إيضاحُ السَّيِّدِ؛ لِمَا فِيهِ مِن الإيهامِ لاحتمالِهِ لِمُحَمَّدٍ وَغَيْرِهِ لَا الْأَوَّلُ لاقتضائِه أَنَّ المقصودَ تَعَلُّقُ الصَّلَاةِ بِتِلْكَ الذَّاتِ الشريفةِ مِن حَيْثُ تسميتُها بِمُحَمَّدٍ, وَأَنَّ الْوَصْفَ بالسيادةِ مطروحٌ: أَي غَيْرُ مقصودٍ بالذات؛ لِأَنَّ المُبدلَ مِنْهُ فِي نِيَّةِ الطرحِ مَعَ أَنَّه لَيْسَ كَذَلِك؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْوَصْفَ مقصودٌ أَيْضًا وَغَيْرُ مطروحٍ، وَلِذَا قَالَ بَعْضُهُم: والبدلِيَّةُ وَإِنْ جَوَّزُوها فِي مِثْلِهِ لَكِن المرادُ هُنَا هُو إيضاحُ السَّيِّدِ وتقريرُ النسبةِ تَبَعٌ والبدليَّةُ تَستدعِي العكسَ انْتَهَى.

وَيَجُوزُ رَفْعُهُ عَلَى أَنَّه خَبَرُ مُبْتَدَأٍ محذوفٍ وَهُو أَوْلَى لِمَا فِيهِ مِن الاستقلالِ وعدمِ التبعيَّةِ عَلَى البدليَّةِ أَو غَيْرِهَا, فَيَكُونُ مُناسِبًا لمقامِه عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ, فَكَمَا أَنَّ ذاتَه الشريفةَ مَرْفُوعَةُ الرُّتبةِ وَغَيْرُ تَابِعَةٍ لِغَيْرِهَا بَل مُستقلَّةٌ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَيْهَا كَذَلِك, وَهُو عَلَمٌ عَلَى نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِِ وَسَلَّمَ سَمَّاهُ بِه جَدَّهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ. رَوَى البيهقيُّ عَن أَبِي الْحَسَنِ التَّنُوخِيِّ أَنَّه لَمَّا كَانَ يَوْمُ السَّابِعِ مِن وِلَادَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِِ وَسَلَّمَ ذَبَحَ عَنْه جَدُّهُ الْمَذْكُورُ وَدَعَا قُرَيْشًا فَلَمَّا أَكَلُوا قَالُوا: مَا سَمَّيْتَهُ؟ قَالَ: سَمَّيْتُهُ مُحَمَّدًا. قَالُوا: لَِمَ رَغِبْتَ بِه عَن أَسْمَاءِ أَهْلِ بَيْتِك؟ قَالَ: رَجَوْتُ أَنْ يَحْمَدَهُ اللَّهُ فِي السَّمَاءِ وَخَلْقُهُ فِي الْأَرْضِ وَذَلِك بإلهامٍ مِن اللَّهِ تَعَالَى لِيَكُونَ عَلَى وَفْقِ تَسْمِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ بِه قَبْلَ الْخَلْقِ بألْفيْ عَامٍ عَلَى مَا وَرَدَ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ ولِيُطابقَ اسْمُهُ صِفَتَهُ لِكَثْرَةِ خصالِه المحمودةِ وَرَجَاءَ أَنْ يَحْمَدَهُ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ, وَقَد حقَّق اللَّهُ رَجَاءَه، وَقِيلَ لَرُؤْيَا رَآهَا أَنَّه رَأَى مَنَامًا كَأَنَّ سِلْسِلَةً مِن فِضَّةٍ خَرَجَتْ مِن ظَهْرِهِ وَلَهَا طَرَفٌ بِالسَّمَاءِ وَطَرَفٌ بِالْأَرْضِ وَطَرَفٌ بِالْمَشْرِقِ وَطَرَفٌ بِالْمَغْرِبِ ثُمَّ عَادَتْ كَأَنَّهَا شَجَرَةٌ عَلَى كُلِّ وَرَقَةٍ مِنْهَا نُورٌ وَإِذَا أَهْلُ الْمَشْرِقِ وَأَهْلُ الْمَغْرِبِ يَتَعَلَّقُونَ بِهَا فَقَصَّهَا فَفُسِّرت بِمَوْلُودٍ يَكُونُ مِن صُلْبِهِ يَتْبَعُهُ أَهْلُ الْمَشْرِقِ وَأَهْلُ الْمَغْرِبِ وَيَحْمَدُهُ أَهْلُ السَّمَاءِ وَأَهْلُ الْأَرْضِ مَعَ مَا حَدَّثَتْهُ بِه أُمُّهُ مِن أَنَّهَا أَتَاهَا آتٍ وَهِيَ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ وَقَالَ لَهَا: إِذَا وَضَعْتِيه فَسمِّيه مُحَمَّدًا، وَلَمَّا قَرُبَ زَمنُه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِِ وَسَلَّمَ وَبُشِّرَ أَهْلُ الْكِتَابِ بِه سَمَّى قَوْمٌ أَوْلَادَهُمْ بِه؛ رَجَاءَ النُّبُوَّةِ لَهُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ, وَمَنَعَ اللَّهُ كُلًّا مِنْهُم أَنْ يَدَّعِيَ النُّبُوَّةَ أَو يَدَّعِيَها لَهُ أَحَدٌ أَو ظَهَرَ عَلَيْهِ سَبَبٌ يُشكِّكُ أَحَدًا فِي أَمْرِهِ وَعِدَّتُهُمْ إِمَّا خَمْسَةٌ أَو سِتَّةٌ أَو أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَو خَمْسَةَ عَشَرَ أَو سَبْعَةَ عَشَرَ, وَالَّذِي اقتصرَ عَلَيْهِ الهيتَمِيُّ أَنَّهُمْ خَمْسَةَ عَشَرَ كَمَا بَيَّنَهُ بَعْضُ المُحقِّقين وَكُلُّهُمْ مَاتُوا صِغَارًا. قَالَ شَيْخُ الإسلامِ: وَأَمَّا أَحْمَدُ فَلَمْ يُسَمَّ بِه أَحَدٌ قَبْلَهُ فِيمَا أَعْلَمُ انْتَهَى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت