فهرس الكتاب
وَمُحَمَّدٌ أَبْلَغُ مِن مَحْمُودٍ باعتبارِ فِعْلَيْهِمَا وَإِنْ تَسَاوَى الِاسْمَانِ فِي عَدَدِ الْحُرُوفِ؛ إِذ الْأَوَّلُ مِن الثلاثِيِّ المُضعَّفِ وَالثَّانِي مِن الثلاثيِّ المُجرَّدِ وَذَكَرَ المؤلِّفُ هَذَا الِاسْمَ دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ أَشْهَرُ أَسْمَائِهِ وَأَفْضَلُهَا ولذكْرِه فِي الْقُرْآنِ مُتكررًا دُونَ غَيْرِهِ, ولشرَفِه إِذْ هُو مُشْتَقٌّ مِن اسْمِهِ تَعَالَى كَمَا قَالَ حَسَّانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
وَشَقَّ لَهُ مِن اسْمِهِ لِيُجِلَّه ... فذو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدُ
وتُستحبُّ التَّسْمِيَةُ بِاسْمٍ مِن أَسْمَائِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِِ وَسَلَّمَ لِمَا رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِن الْحَدِيثِ القُدسيِّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (( وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا أُعَذِّبُ أَحَدًا سُمِّي بِاسْمِكَ بِالنَّارِ ) ), وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (( إِنَّي آلَيْتُ عَلَى نَفْسِي أَنْ لَا يَدْخُلَ النَّارَ مَن اسْمُهُ أَحْمَدُ أَو مُحَمَّدٌ ) ). وَذَكَرَ الْإِمَامُ ابْنُ الْحَاجِّ فِي كِتَابِهِ (الْمَدْخَلِ) عَن الْحَسَنِ الْبَصْريِّ: إِنَّ اللَّهَ لَيُوقِفُ الْعَبْدَ الَّذِي اسْمُهُ أَحْمَدُ أَو مُحَمَّدٌ بَيْنَ يَدَيْهِ فَيَقُولُ: يَا عَبْدِي أَمَا تَسْتَحِيِ أَنْ تَعصِيَني واسمُك عَلَى اسْمِ حَبِيبِي، فَينَكِّسُ الْعَبْدُ رَأْسَهُ حَيَاءً وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّي قَدْ فَعَلْتُ. فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا جِبْرِيلُ خُذْ بِيَدِ عَبْدِي وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ؛ فَإِنِّي أَسْتَحِي أَنْ أُعَذِّبَ مَن اسْمُهُ اسْمُ حَبِيبِي،.
وَرَوَى ابْنُ عساكرَ عَن كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَنَّ آدَمَ وَجَدَ اسْمَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِِ وَسَلَّمَ مَكْتُوبًا عَلَى سَاقِ الْعَرْشِ وَفِي السَّمَاوَاتِ وَعَلَى كُلِّ قَصْرٍ وغُرفةٍ فِي الْجَنَّةِ وَعَلَى نُحُورِ الْحُورِ الْعِينِ وَعَلَى كُلِّ وَرَقِ شَجَرَةِ طُوبَى وسدرةِ الْمُنْتَهَى وَأَطْرَافِ الحُجبِ وَبَيْن أَعْيُنِ الْمَلَائِكَةِ، وَرُوِيَ لَمَّا خَلَق اللَّهُ الْعَرْشَ كَتَبَ عَلَيْهِ بِالنُّورِ لَاَ إِلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ, فَلَمَّا خَرَجَ آدَمُ مِن الْجَنَّةِ رَأَى عَلَى سَاقِ الْعَرْشِ كَمَا رَأَى فِي الْجَنَّةِ اسْمَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِِ وَسَلَّمَ مُقْتَرِنًا بِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَال: يا رَبِّ مُحَمَّدٌ مَن هُو؟ فَقَال اللَّهُ تَعَالَى: وَلَدُك الَّذِي لَوْلَاهُ مَا خَلَقْتُكَ فَقَالَ: يا رَبِّ بِحُرْمَةِ هَذَا الْوَلَدِ ارْحَم الْوَالِدَ فَنُودِيَ يا آدمُ لَو استشفَعْتَ إِلَيْنَا بِمُحَمَّدٍ فِي أَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَفَّعْناك.
(قَوْلُهُ: الَّذِي أَرْسَلَهُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً) أَي: جَمِيعًا أَي: الَّذِي أَرْسَلَهُ اللَّهُ لِجَمِيعِ الطوائفِ حَتَّى الجماداتِ فَآمَنَتْ بِه فَصَارَتْ آمِنَةً مِمَّا كَانَ يَعترِيها فِي الْأُمَمِ السَّابِقَةِ مِن الْمَسْخِ وَالْخَسْفِ وَصَارَت الْحِجَارَةُ آمِنَةً مِن جَعْلِهَا مِن الْحِجَارَةِ الَّتِي يُعَذَّبُ بِهَا أَهْلُ النَّارِ لَكِن إِرْسَالُهُ للثَّقلينِ أَي: الْإِنْسِ وَالْجِنِّ إِرْسَالُ تَكْلِيفٍ ولغيرِهما إِرْسَالُ تشريفٍ أَي: إِرْسَالٌ يَثْبُتُ بِه شَرَفُهُ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ فَيَكُونُ لَهُ السيادةُ عَلَيْهِمْ لِحَدِيثِ: (( بُعِثْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً ) )وَلَا مَانِعَ مِن تركيبِ إدراكاتٍ عقليَّةٍ فِي غَيْرِ أَنْوَاعِ الْعُقَلَاءِ الثَّلَاثَةِ لَتُؤْمِنَ بِه وتخضعَ لَهُ كَمَا رُكِّبَ فِي جَبَلِ أُحُدٍ ذَلِكَ حِينَ صَعِدَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ فَتَحَرَّكَ فَضَرَبَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِِ وَسَلَّمَ بِرِجْلِهِ وَقَالَ: (( اثْبُتْ فَإِنَّمَا عَلَيْك نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ ) )وَالرَّسُولُ إِنْسَانٌ ذَكَرٌ حُرٌّ أَكْمَلُ معاصرِيه غَيْرَ الْأَنْبِيَاءِ عَقْلًا وفِطنةً وَقُوَّةَ رَأْيٍ وخَلْقا بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وسكونِ ثَانِيهِ, وَعُقْدةُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أُزيلتْ بدعوتِه عِنْدَ الْإِرْسَالِ كَمَا فِي الْآيَةِ: {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِسَانِي} ، معصومٌ وَلَوْ مِن صَغِيرَةٍ سَهْوًا وَلَوْ قَبْلَ النُّبُوَّةِ عَلَى الْأَصَحِّ، سَليمٌ مِن دناءةِ أَبٍ وخناءِ أُمٍّ وَإِنْ عَلِيَا، ومِنْ مُنفِّرٍ كَعَمى وبرصٍ وَجُذَامٍ وَلَا يَرِدُ بَلَاءُ أَيُّوبَ وَعَمَى يَعْقُوبَ بِنَاءً عَلَى أَنَّه حقيقيٌّ لطروِّه بَعْدَ الإنْبَاءِ بِكَسْرِ الهمزةِ وَالْكَلَامُ فِيمَا قارَنه وَالْفَرَقُ أَنَّ هَذَا مُنفِّرٌ بِخِلَافِهِ فِيمَن اسْتَقَرَّتْ نُبوَّتِه، وَمِن قِلَّةِ مروءةٍ كأكلٍ بِطَرِيقٍ وَمِن دناءةِ صَنْعَةٍ كحجامَةٍ، أُوحِيَ إِلَيْهِ بشرعٍ وَأُمِرَ بتبليغِه وَإنْ لَمْ يَكُن لَهُ كِتَابٌ وَلَا نَسْخٌ كَيوشَعَ, فَإِنْ لَمْ يُؤْمَرْ فَنَبِيٌّ فَقَطْ فبينَهما عمومٌ وخصوصٌ مُطْلَقٌ وَهُو أَفْضَلُ مِن النَّبِيِّ إجماعًا لتميُّزِه بِالرِّسَالَةِ الَّتِي هِي أَفْضَلُ مِن النُّبُوَّةِ عَلَى الْأَصَحِّ خلافا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَوَجْهُ تَفْضِيلِِ الرِّسَالَةِ عَلَى النُّبُوَّةِ كَمَا قَالَ القرَافيُّ: إَنَّ الرِّسَالَةَ تُثْمِرُ هِدَايَةَ الْأُمَّةِ وَالنُّبُوَّةُ قاصرةٌ عَلَى النَّبِيِّ فَنِسبتُها إِلَى النُّبُوَّةِ كنسبةِ الْعَالِمِ إِلَى الْعَابِدِ. ثُمَّ إنَّ مَحَلَّ