الصفحة 24 من 219

وَهُو لُغَةً: مَن بَيْنَك وَبَيْنَهُ مُداخلةٌ، واصطلاحا التَّابِعُ لِغَيْرِهِ الْآخِذُ بمذهبِه كأصحابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ والمُرادُ بِه هُنَا الصحابيُّ كَمَا مَرَّ، وَهُو مَن اجْتَمَعَ بالنَبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِِ وَسَلَّمَ فِي الْيَقَظَةِ وَلَوْ لحظةً اجْتِمَاعًا مُتعارفًا بِأَنْ يَكُونَ فِي الْأَرْضِ وَفِي حَالِ الْحَيَاةِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ مُؤْمِنًا بِه وَلَوْ كَانَ أَعْمَى وَلَوْ أَحَدُهُمَا نَائِمًا وَإِنْ لَمْ يَشْعُرْ بِه أَو كَانَ غَيْرَ مُميِّزٍ كمجنونٍ وَصَبِيٍّ لَمْ يُمَيِّزْ, أَو رَأَى النَّبِىَّ أو رآه النَّبِىُّ مَعَ بُعْدِ المَسافةِ كأهلِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ وشَمِل قَوْلُنَا مَن اجْتَمَعَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ وَالْمَلَائِكَةُ، وَدَخَلَ فِي قَوْلِنَا اجْتِمَاعًا مُتعارفًا مَا لَو كَانَ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ لَا يَمْنَعُ الِاجْتِمَاعَ وَمَن رَآهُ مَعَ مُرورِه إِلَى غَيْرِ جِهَتِهِ مِن غَيْرِ مُكثِ عِلْمٍ بِه أَمْ لَا فَخَرَجَ مَن اجْتَمَعَ بِه مَنَامًا أَو بَعْدَ مَوْتِهِ وَلَوْ يقظةً وَمَن اجْتَمَعَ بِه بَعْدَ النُّبُوَّةِ غَيْرَ مُؤْمِنٍ بِه ثُمَّ آمَن وَلَمْ يَجْتَمِعْ بِه بَعْدَ ذَلِكَ وَمَن اجْتَمَعَ بِه قَبْلَ البعثةِ مُؤْمِنًا بِأَنَّهُ سَيُبْعَثُ كَبحِيرا الرَّاهِبِ بِخِلَافِ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ؛ فَإِنَّهُ صَحَابِيٌّ فَمَنِ الصَّحَابَةِ سَيِّدُنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام؛ ُ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ بالنَبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ وَهُو أَفْضَلُ الصَّحَابَةِ ومعدودٌ مِن الْأُمَّةِ المحمديَّةِ؛ لِأَنَّهُ يَنْزِلُ آخِرَ الزَّمَانِ حاكِمًا بالشريعةِ المحمديَّةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْخَضِرَ عَلَيْهِ السَّلَامُ اجْتَمَعَ بِه فِي الْأَرْض عَلَى الْوَجْهِ المُعتادِ, وَدَخَلَ فِي الصَّحَابَةِ الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ اجْتَمَعُوا بالنَبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِِ وَسَلَّمَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ, وَمَن رَآهُ مِنْهُم فِي الْأَرْضِ فَمِنْهُمْ جِبْرِيلُ وَإِسْرَافِيلُ وعزرائيلُ وجنُّ نَصِيبِينَ وَنَحْوُهمْ مِمَّا اجْتَمَعَ بِه فِي الْأَرْضِ اجْتِمَاعًا مُتعارفا.

وَالْمَوْتُ عَلَى الْإِيمَانِ لَيْسَ شَرْطًا لأصلِ الصُّحْبَةِ بَل لدوامِها؛ فَإِنَّ الرِّدَّةَ والعياذُ بِاللَّهِ تَعَالَى تُبطلُها كباقِي الْأَعْمَالِ، وقولُنا وَلَوْ لحظةً بِخِلَافِ مَا قَالُوهُ فِي التابعيِّ مَعَ الصحابيِّ فَلَا تَثْبُتُ التابعيَّةُ إِلَّا بِطُولِ الاجتماعِ مَعَه عُرْفًا عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ أَهْلِ الْأُصُولِ وَالْفُقَهَاءِ, وَالْفَرَقُ عِظَمُ مَنْصِبِ النُّبُوَّةِ ونورُها فبمجرَّدِ مَا يَقَعُ بَصَرُ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِِ وَسَلَّمَ عَلَى الْأَعْرَابِيِّ الجِلفِ يَنْطِقُ بِالْحِكْمَةِ لشرفِ مَنْزِلَةِ النَبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِِ وَسَلَّمَ فالاجتماعُ بِه يُؤْثِرُ مِن النُّورِ القلبيِّ أَضْعَافَ مَا يُؤثرُه الاجتماعُ الطَّوِيلُ بالصحابيِّ وَغَيْرِهِ.

(قَوْلُهُ: وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا) السَّلَامُ مَعْنَاهُ الْأَمَانُ , وَالمُرَادُ تَأْمِينُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِِ وَسَلَّمَ مِمَّا يَخَافُ عَلَى أُمَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ مَعْصُومٌ فَكَيْفَ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ؟ نَعَمْ يَخَافُ خَوْفَ مَهَابَةٍ وَإِجْلَالٍ؛ إِذِ الْمَرْءُ كُلَّمَا اشْتَدَّ قُرْبُهُ مِنَ اللَّهِ اشْتَدَّ خَوْفُهُ مِنْهُ، وَبَعْضُهُمْ فَسَّرَهُ بِالتَّحِيَّةِ، والمرادُ بِهَا فِي حَقِّهِ تَعَالَى مَعَ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِِ وَسَلَّمَ أَنْ يُخَاطِبَهُ بِكَلَامِهِ الْقَدِيمِ دَالًّا عَلَى رِفْعَةِ مَقَامِهِ الْعَظِيمِ.

وَقَوْلُهُ: (تَسْلِيمًا) مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ. فَإِنْ قِيلَ: لِمَ أَكَّدَ (سَلِّمُوا) دُونَ (صَلُّوا) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} ،

قُلْتُ: لِتَأْكِيدِهَا بِإنَّ، وَلِتَقَدُّمِ ذِكْرِ الصَّلَاةِ مِن اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ أَوَّلًا، وَلَأَنَّ الصَّلَاةَ مِن اللَّهِ رَحْمَةٌ وَمِن الْمَلَائِكَةِ اسْتِغْفَارٌ، وَذَلِكَ وَاقِعٌ مِنْهُم بِلَا تَرَدُّدٍ. وَأَمَّا الْبَشَرُ فَلَمَّا صَدَرَ مِن بَعْضِهِمْ مَا صَدَرَ مِنْ أَذِيَّتِهِمْ وَتَنْقِيصِهِمْ أُمِرُوا مَعَ الصَّلَاةِ بِالتَّسْلِيمِ مِن النقائصِ والانقيادِ، وَأَكَّدَ لوقوعِ الْإِنْكَارِ، وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِِ وَسَلَّمَ وَاجِبَةٌ فِي الْعُمُرِ مَرَّةً كالشَّهَادَتَيْنِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ حُكْمَ السَّلَامِ فِي الْوُجُوبِ فِي الْعُمُرِ مَرَّةً حُكْمُ الصَّلَاةِ، كَمَا قَالَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدٌ الرَّصَّاعُ.

خَاتِمَةٌ: فِي مَنْعِ الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ اسْتِقْلَالًا وَكَرَاهَتِهَا وَكَوْنِهَا خِلَافَ الْأَوْلَى خِلَافٌ، والأَصَحُّ الْكَرَاهَةُ، وَقَوْلُهُ: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِِ وَسَلَّمَ: (( اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوَفَى ) )فَهُوَ مِن خَصَائِصِهِ، وَأَمَّا تَبَعًا كَمَا هُنَا فَجَائِزٌ اتِّفَاقًا.

(قَوْلُهُ: أَمَّا بَعْدُ) أَيْ بَعْدَ الْبَسْمَلَةِ والحَمْدَلَةِ وَالتَّشَهُّدِ وَالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى مَن تَقَدَّمَ، وَأَتَى بِهَا؛ تَأَسِّيًا بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِِ وَسَلَّمَ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَأْتِي بِهَا فِي خُطَبِهِ وَمُرَاسَلَاتِهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت