الصفحة 25 من 219

وَأَصْلُ (أَمَّا بَعْدُ) مَهْمَا يَكُنْ مِن شَيْءٍ بَعْدُ، فَحُذِفَتْ مَهْمَا وَيَكُنْ، وَنَابَتْ أَمَّا مَنَابَهُمَا، وَمَهْمَا مُبْتَدَأٌ والاسْمِيَّةُ لَازِمَةٌ لَهُ، وَ (يَكُنْ) شَرْطٌ، والفَاءُ لَازِمَةٌ فِي جَوَابِهِ فِي الْجُمْلَةِ، فَلَمَّا نَابَتْ مَا مَنَابَهُمَا لَزِمَهَا مَا لَزِمَهُمَا مِن الفاءِ والاسْمِيَّةِ إِقَامَةً للازِمٍ - وَهُوَ الفاءُ والاسْمِيَّةُ - مَقَامَ اللُّزُومِ - وَهُوَ مَهْمَا وَيَكُنْ - وَإِبْقَاءً لِأَثَرِهِ فِي الْجُمْلَةِ، لَكِنْ لَمَّا تَعَذَّرَ قِيَامُ الاسْمِيَّةِ بِأَمَّا؛ لِكَوْنِهَا حَرْفًا أَلْزَمُوهَا لُصُوقَ الِاسْمِ - أَي: وُقُوعَهُ بَعْدَهَا مِن غَيْرِ فَاصِلٍ بَيْنَهُمَا - وَ (يَكُنْ) مُضَارِعٌ نَاقِصٌ، وَاسْمُهَا ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى مَهْمَا، وَخَبَرُهَا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مَوْجُودًا مَثَلًا، والجُمْلَةُ خَبَرُ المبتدأِ وَ (مِن شَيْءٍ) بَيَانٌ لِمَهْمَا، وَلَا يَصِحُّ أَنَّهَا تَامَّةٌ وَ (مِن) زَائِدَةٌ وَ (شَيْءٍ) فَاعِلٌ؛ لِخُلُوِّ الْخَبَرِ عَن الرَّابِطِ حِينَئِذٍ، وَ (بَعْدُ) ظَرْفُ زَمَانٍ كَثِيرًا وَظَرْفُ مَكَانٍ قَلِيلًا مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ؛ لِحَذْفِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ وَنِيَّةِ مَعْنَاهُ.

هَذَا إِعْرَابُ الْأَصْلِ، وَإِعْرَابُ النَّائِبِ: (أَمَّا) حَرْفُ شَرْطٍ دَائِمًا وَتَفْصِيلٍ غَالِبًا، وَ (بَعْدُ) ظَرْفُ مَكَانٍ أَو زَمَانٍ عَلَى مَا مَرَّ، فَبِاعْتِبَارِ زَمَنِ النُّطْقِ هِيَ ظَرْفُ زَمَانٍ، وَبِاعْتِبَارِ الرَّسْمِ هِيَ ظَرْفُ مَكَانٍ، وَبَعْضُهُمْ يَحْذِفُ (أَمَّا) وَيَأْتِي بِالوَاوِ مَكَانَهَا، فَيَقُولُ: وَبَعْدُ، فَتَكُونُ الْوَاوُ نَائِبَةٌ عَن (أَمَّا) وَتَكُونُ الفَاءُ فِي جَوابِ الْوَاوِ، وَقَد أَلْغَزَ بَعْضُهُمْ فِيهَا بِقَوْلِهِ:

وَمَا وَاوٌ لَهَا شَرْطٌ يَلِيهِ ... جَوَابُ قَرْنِهِ بِالْفَاءِ حَتْمًا

وَأَجَابَهُ بَعْضُهُم بِقَوْلِهِ:

هِيَ الوَاوُ الَّتِي قُرِنَتْ بِبَعْدُ ... وَأَمَّا أَصْلُهَا وَالْأَصْلُ مَهْمَا

وَالسُّنَّةُ الْوَارِدَةُ (أَمَّا بَعْدُ) وَاخْتُلِفَ فِي أَوَّلِ مَنْ نَطَقَ بِهَا عَلَى ثَمَانِيَةِ أقوالٍ نَظَمَ بَعْضُهُم مِنْهَا خَمْسَةً فِي قَوْلِهِ:

جَرَى الْخُلْفُ أَمَّا بَعْدُ مَنْ كَانَ بَادِئًا ... بِهَا خَمْسُ أَقْوَالٍ وَدَاوُدُ أَقْرَبُ

وَكَانَتْ لَهُ فَصْلُ الْخِطَابِ وَبَعْدَهُ فَقِسْ فَسَحْبَانُ فَكَعْبٌ فَيَعْرُبُ

وَقِيلَ: فَصْلُ الْخِطَابِ هُوَ عِلْمُ الْقَضَاءِ، وَقِيلَ: أَوَّلُ مَنْ نَطَقَ بِهَا يَعْقُوبُ، رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَن مَالِكٍ لَمَّا جَاءَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى يَعْقُوبَ، قَالَ لَهُ يَعْقُوبُ مِنْ جُمْلَةِ كَلَامٍ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ مُوَكَّلٌ بِنَا الْبَلَاءُ، وَقِيلَ أَيُّوبُ، وَقِيلَ آدَمُ، وَهُو أَضْعَفُهَا، وَجُمِعَ بَيْنَ هَذِهِ الأقوالِ بِأَنَّ كُلًّا أَوَّلُ مَنْ نَطَقَ بِهَا بِالنِّسْبَةِ لِقَبِيلَتِهِ، فَلَا تَعَارُضَ وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقًا بِالشَّرْطِ، وَهُو أَمَّا لِنِيَابَتِهَا عَنْ فِعْلِ الشَّرْطِ، وَأَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِالْجَزَاءِ، وَهُو أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْجَوَّابَ حِينَئِذٍ يَكُونُ مُعَلَّقًا عَلَى شَيْءٍ مُطْلَقٍ بِخِلَافِهِ عَلَى الْأَوَّلِ؛ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُعَلَّقًا عَلَى شَيْءٍ مُقَيَّدٍ بِكَوْنِهِ بَعْدَ الْبَسْمَلَةِ الحَمْدَلَةِ وَمَا مَعَهُمَا، والمُطْلَقُ أَقْوَى فِي التَّحَقُّقِ مِن المُقَيَّدِ وَإِنْ كَانَت الدُّنْيَا لَا تَخْلُوَ عَن شَيْءٍ.

تَتِمَّةٌ: أَحْوَالُ كَلِمَةِ (بَعْدُ) مِن حَيْثُ الإعرابِ أَرْبَعَةٌ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت