فهرس الكتاب
فَيَتَحَصَّلُ أَنَّ الْكَثْرَةَ هِيَ الشَّرْطُ الْأَوَّلُ, وَإِحَالَةُ الْعَادَةِ هِي الشَّرْطُ الثَّانِي، وَالشُّرُوطُ خَمْسَةٌ عَلَى مُقْتَضَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، حَيْثُ قَالَ فِيمَا سَيَأْتِي: فَإِذَا جَمَعَ هَذِهِ الشُّرُوطَ الْأَرْبَعَةَ. وَلَا يُتَصَوَّرُ كَوْنُهَا أَرْبَعَةً بِدُونِ جَعْلِ هَذَا ثَانِيًا، والمُحَقِّقُونَ عَلَى أَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلْكَثْرَةِ وَعَدَمِ الْحَصْرِ بِمَعْنَى أَنَّ المُعْتَبَرَ فِي كَثْرَةِ المُخْبِرِينَ بُلُوغُهُمْ حَدًّا يَمْتَنِعُ عِنْدَ الْعَقْلِ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ لَا أَنْ لَا يَدْخُلَ تَحْتَ الضَّبْطِ كَمَا سَبَقَ تَحْقِيقُهُ، فَالشُّرُوطُ عِنْدَهُمْ أَرْبَعَةٌ لَا خَمْسَةٌ، فَعَلَى هَذَا لَو أُخْبِرَ بِخَبَرِ جَمْعٍ مَحْصُورٍ يُحِيلُ الْعَقْلُ تَوَاطُؤَهَمْ عَلَى الْكَذِبِ يَكُونُ مُتَوَاتِرًا.
(قَوْلُهُ: فَلَا مَعْنَى إِلَخْ) أَي لَا فَائِدَةَ وَلَا ثَمَرَةَ لِتَعْيِينِ الْعَدَدِ, وَهُو مُتَفَرِّعٌ عَلَى قَوْلِهِ: بَل تَكُونُ الْعَادَةُ إِلَخْ، قَالَ الأُصَيْلِيُّ: وَإِنَّمَا كَانَ الضابِطُ حُصُولَ الْعِلْمِ، فَمَتَى أَخْبَرَ هَذَا الْجَمْعُ وَأَفَادَ خَبَرُهُم الْعِلْمَ عَلِمْنَا أَنَّهُ مُتَوَاتِرٌ، وَإِلَّا فَلَا، وَقَالَ ابْنُ الْهَمَّامِ: المُتَوَاتِرُ خَبَرُ جَمَاعَةٍ يُفِيدُ الْعِلْمَ لَا بِالقَرَائِنِ المُنْفَصِلَةِ بَلْ بِنَفْسِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلِكِ فِي شَرْحِ الْمَنَارِ: عَرَّفَهُ المُحَقِّقُونَ بِأَنَّهُ خَبَرُ جَمَاعَةٍ يُفِيدُ بِنَفْسِهِ الْعِلْمَ بِصِدْقِهِ، فَقَوْلُهُ بِنَفْسِهِ يُخْرِجُ خَبَرَ جَمَاعَةِ إِفَادَةِ الْعِلْمِ بِالقَرَائِنِ الزَّائِدَةِ عَلَى الْخَبَرِ كَشَقِّ الْجُيُوبِ وَالتَّفَجُّعِ فِي الْخَبَرِ بِمَوْتِ وَلَدِهِ.
(قَوْلُهُ: عَلَى الصَّحِيحِ) أَي: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَأَتَى بِهِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ صَحَّحَهُ غَيْرُهُ وَإِلَّا فَهُوَ يُسْتَفَادُ مِن الفَاءِ.
(قَوْلُهُ: وَمِنْهُمْ) أَي مِن الْمُحَدِّثِينَ أَو مِن عُلَمَاءِ أُصُولِ الْحَدِيثِ أَو أُصُولِ الْفِقْهِ.
(قَوْلُهُ: مَن عَيَّنَهُ) أَي عَدَدَ التَّوَاتُرِ.
(قَوْلُهُ: فِي الْأَرْبَعَةِ) اعْتِبَارًا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ, وَرَدَّ بِأَنَّهُمْ لَو شَهِدُوا بِالزِّنَا لَا يُفِيدُ قَوْلُهُم الْعِلْمَ؛ لِاحْتِيَاجِهِمْ إِلَى التَّزْكِيَةِ، وَتَوَقَّفَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ البَاقِلَّانِيُّ فِي الْخَمْسَةِ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ فِي الْخَمْسَةِ) اعْتِبَارًا بِعَدَدِ اللِّعَانِ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ فِي الْخَمْسَةِ) المُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ وَمِنْهُمْ مَن عَيَّنَهُ إِلَخْ، فَيَأْتِي بِمِنْهُمْ فِي الْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ يُفِيدُ أَنَّ الْقَائِلَ وَاحِدٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ فِي السَّبْعَةِ، وَقِيلَ فِي الْعَشَرَةِ) قَالَ بَعْضُهُم: أَقَلُّ عَدَدِ الْجَمْعِ الَّذِي يُفِيدُ خَبَرُهُ الْعِلْمَ عَشَرَةٌ؛ لِأَنَّ مَا دُونَهَا آحَادٌ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ فِي الاثْنَيْ عَشَرَ) كَعَدَدِ النُّقَبَاءِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَبَعَثَنَا مِنْهُم اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا} بُعِثُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ لِلكَنْعَانِيِّينَ بِالشَّامِ طَلِيعَةً لِبَنِي إِسْرَائِيلَ المَأْمُورِينَ بِجِهَادِهِمْ لِيُخْبِرُوهُمْ بِحَالِهِمْ، فَكَوْنُهُمْ عَلَى هَذَا الْعَدَدِ لَيْسَ إِلَّا لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يُفِيدُ الْعِلْمَ الْمَطْلُوبَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ فِي الْأَرْبَعِينَ) لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِن الْمُؤْمِنِينَ} وَكَانُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ أَرْبَعِينَ رَجُلًا، فَكَوْنُهُمْ عَلَى هَذَا الْعَدَدِ لَيْسَ إِلَّا لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يُفِيدُ الْعِلْمَ الْمَطْلُوبَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ فِي السَّبْعِينَ) لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا} أَي: لِلاعْتِذَارِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِن عِبَادَةِ الْعِجْلِ وَلِسَمَاعِهِم كَلَامَهُ تَعَالَى مِن أَمْرٍ وَنَهْيٍ، لِيُخْبِرُوا قَوْمَهُمْ بِمَا يَسْمَعُونَهُ، فَكَوْنُهُمْ عَلَى هَذَا الْعَدَدِ لَيْسَ إِلَّا لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يُفِيدُ الْعِلْمَ الْمَطْلُوبَ فِي ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ) فَقِيلَ فِي الْعِشْرِينَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {إِنْ يَكُن مِّنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} فَيَتَوَقَّفُ بَعْثُ عِشْرِينَ لِمِائَتَيْنِ عَلَى اخْتِيَارِهِمْ بِصَبْرِهِمْ، فَكَوْنُهُمْ عَلَى هَذَا الْعَدَدِ لَيْسَ إِلَّا لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يُفِيدُ الْعِلْمَ الْمَطْلُوبَ فِي ذَلِكَ، وَقِيلَ أَقَلُّهُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ عَدَدُ أَهْلِ غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَعِبَارَةُ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرِهِ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ وَهِيَ الْبَطْشَةُ الْكُبْرَى الَّتِي بِهَا