فهرس الكتاب
حَصَلَ خَبَرُ الْوَاحِدِ حَصَلَ الْعِلْمُ، وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يُطْرَدُ أَي: قَدْ يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِهِ لَكِنْ لَيْسَ كُلَّمَا حَصَلَ حَصَلَ الْعِلْمُ بِهِ، وَقَالَ الْأَكْثَرُ: لَا يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِهِ لَا بِقَرِينَةٍ وَلَا بِغَيْرِ قَرِينَةٍ انْتَهَى.
(قَوْلُهُ: بِالقَرَائِنِ) مُتَعَلِّقٌ بِيُفِيدُ.
(قَوْلُهُ: عَلَى الْمُخْتَارِ) أَي عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي اخْتَارَهُ المُحَقِّقُونَ كَمَا تَقَدَّمَ.
(قَوْلُهُ: خِلَافًا لِمَنْ أَبَى ذَلِكَ) أَي مَا ذُكِرَ مِن الْمُخْتَارِ.
(قَوْلُهُ: وَالْخِلَافُ فِي التحقيقِ) أَي الِاخْتِلَافُ السَّابِقُ فِي النَّظَرِ الدَّقِيقِ لَفْظِيٌّ، قَالَ الشَّيْخُ قَاسِمٌ: التحقيقُ خِلَافُ التحقيقِ، وَهُو أَنَّهُ حَقِيقِيٌّ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ مَن جَوَّزَ إِلَخْ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: لِأَنَّ مَن قَالَ: إِنَّهُ يُفِيدُ الْعِلْمَ قَيَّدَهُ بِكَوْنِهِ نَظَرِيًّا، وَفِيهِ أَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ لِلتَّقْيِيدِ دَخْلًا فِي كَوْنِ النِّزَاعِ لَفْظِيًّا، وَهُو أَي النَّظَرِيٌّ هُو الحاصلُ عَن الاستدلالِ، وَهُو عِنْدَهُ لَا يُفِيدُ إِلَّا الظَّنَّ، والقَرَائِنُ مُقَوِّيَةٌ لِلظَّنِّ وَلَا تُرَقِّيهِ إِلَى مَرْتَبَةِ الْقَطْعِ، فَالعِلْمُ النَّظَرِيُّ هُو الظَّنُّ الْقَوِيُّ، أُطِلْقَ عَلَيْهِ الْعِلْمُ النَّظَرِيُّ.
(قَوْلُهُ: وَمَن أَبَى) الْأُولَى أَنْ يَقُولَ: وَمَنْ قَالَ: إِنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ لَمْ يُقَيِّدْهُ بالنظريِّ.
(قَوْلُهُ: الإطلاقَ) أَي إِطْلَاقَ الْعِلْمِ عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ: خَصَّ لَفْظَ الْعِلْمِ أَي الْمُطْلَقَ الْمُنْصَرِفَ إِلَى الْفَرْدِ الأَكْمَلِ، وَهُو اليَقِينِيُّ الْقَطْعِيُّ بالمُتَوَاتِرِ، أَي: بِالضَرُورِيِّ.
(قَوْلُهُ: وَمَا عَدَاهُ) أَي: مَا عَدَا المُتَوَاتِرِ عِنْدَهُ أَي عِنْدَ الْقَائِلِ بِهِ ظَنِّيٌّ، أَي وَإِنْ بَلَغَ حَدَّ الجَزْمِ بِهَذِهِ الْقَرَائِنِ فَهُوَ عِلْمٌ نَظَرِيٌّ كَمَا يَأْتِي فِي آخِرِ العبارةِ، أَنَّهُ إِذَا اجْتَمَعَت الثَّلَاثَةُ فَهُوَ جَزْمٌ، وَظَاهِرٌ أَنَّ الجَزْمَ عِلْمٌ نَظَرِيٌّ، فالخلافُ: هَل الْفَرْدُ الأرجحُ الَّذِي بَلَغَ الجزمَ يُسَمَّى عِلْمًا أَمْ لَا؟ فالمُصَنِّفُ يَقُولُ: نَعَمْ، يُسَمَّى عِلْمًا نَظَرِيًّا، وَغَيْرُهُ يَقُولُ: لَا، يُسَمَّى عِلْمًا، وَاعْتَرَضَ بِأَنَّ رُجْحَانَهُ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ، بَل الظَّنَّ الْقَوِيَّ، وَاعْتَرَضَ أَيْضًا بِأَنَّ لَفْظَ الْعِلْمِ لَمْ يُخَصَّ بالضروريِّ أَصْلًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَضُرُّ؛ لِأَنَّهُ يُفِيدُ أَنَّ العلومَ الِاسْتِدْلَالِيَّةَ لَيْسَتْ بِعِلْمٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ لَا يُسَلَّمُ أَصْلًا، فَلَا يُسَلَّمُ أَنَّ الْخُلْفَ لَفْظِيٌّ، بَل هُو حَقِيقِيٌّ، وَلَا يَلْزَمُ مِن رُجْحَانِهِ بالقرائنِ أَنْ يُقَالَ لَهُ: عِلْمٌ، وَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ عَلِيٌّ قَارِيٌّ مِن أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ بِالْعِلْمِ النَّظَرِيِّ غَلَبَةُ الظَّنِّ لَا يُلَائِمُ قَوْلَهُ: خَصَّ لَفْظَ الْعِلْمِ بالمُتَوَاتِرِ أَي: الضَّرُورِيِّ، فالقائلُ بِأَنَّ الْخُلْفَ لَفْظِيٌّ هُو الْمُصَنِّفُ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ حَقِيقِيٌّ لِمَا عَلِمْتَ.
(قَوْلُهُ: لَكِنَّهُ إِلَخْ) اعْتَرَضَ بِأَنَّهُ إِذَا احْتَفَّ بالقرائنِ قَدْ يَكُونُ جَزْمًا، فَهُوَ عِلْمٌ نَظَرِيٌّ، فَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْخُلْفَ لَفْظِيٌّ فِيهِ نَظَرٌ.
(قَوْلُهُ: أَرْجَحُ مِمَّا خَلَا عَنْهَا) أَي أَقْوَى مِمَّا خَلَا عَن الْقَرَائِنِ، وَمُحَصِّلُهُ أَنَّ مَن قَالَ: إِنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ يُفِيدُ الْعِلْمَ أَرَادَ أَنَّهُ يُفِيدُ الْعِلْمَ النَّظَرِيَّ الْمُسْتَفَادُ بالنَّظَرِ فِي الْقَرَائِنِ لَا بِنَفْسِ خَبَرِ الْآحَادِ بِدُونِ النَّظَرِ فِي الْقَرَائِنِ، وَمَن قَالَ: إِنَّهُ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ إِلَّا المُتَوَاتِرِ، وَخَبَرَ الْوَاحِدِ لَا يُفِيدُ إِلَّا الظَّنَّ، أَرَادَ أَنَّهُ بِدُونِ الْقَرَائِنِ لَا يُفِيدُ إِلَّا الظَّنَّ، وَلَا يَنْبَغِي أَنَّ مَا احْتَفَّ بالقرائنِ أَرْجَحُ مِمَّا عَدَاهُ، بِحَيْثُ يَتَرَقَّى عَن مَرْتَبَةِ إِفَادَةِ الظَّنِّ إِلَى إِفَادَةِ الْعَمَلِ فَيَكُونُ الْخِلَافُ لَفْظِيًّا، وَأَنْتَ قَدْ عَلِمْتَ مَذْهَبَ كُلٍّ مِن الْفَرِيقَيْنِ وَدَلِيلَهُمْ، وَهُو يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النِّزَاعَ بَيْنَهُمْ مَعْنَوِيٌّ، وَهُو الْحَقُّ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ قَدْ يُفِيدُ الْيَقِينَ، فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُفِيدَ الْقَطْعَ، وَمَن أَبَى الإِطْلَاقَ صَرَّحَ بِأَنَّ مَا عَدَا المُتَوَاتِرِ عِنْدَهُ ظَنِّيٌّ فَالخِلَافُ حَقِيقِيٌّ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ قَاسِمٍ: نَعَمْ، وَمَعَ كَوْنِهِ أَرْجَحَ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ. فالحاصلُ عِنْدَ مَن يَقُولُ: الْآحَادُ لَا تُفِيدُ الْعِلْمَ أَنَّ الدَّلِيلَ الظَّنِيَّ عَلَى طَبَقَاتٍ وَلَيْسَ مِنْهَا مَا يُفِيدُ. انْتَهَى.
يَعْنِي: والقرائنُ الخارجيَّةُ لَا دَخْلَ لَهَا فِي نَفْسِ الْخَبَرِ، فَيَخْتَلِفُ الْحُكْمُ بِاخْتِلَافِهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
(قَوْلُهُ: مِنْهَا) أَي مِن جُمْلَةِ أَنْوَاعِهِ مَا أَخْرَجَهُ إِلَخْ.