الصفحة 51 من 219

(قَوْلُهُ: مِمَّا لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ التَّوَاتُرِ) أَي: عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ يُوجَدُ فِيهِمَا مَا يَصِلُ إِلَى حَدِّ التواترِ، فَمِنْ تَبْعِيضِيَّةٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ بَيَانًا لِمَا.

(قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ احْتَفَّتْ بِهِ) أَي بِمَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ قَرَائِنُ خَارِجِيَّةٌ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَن الصَّحِيحَيْنِ.

(قَوْلُهُ: مِنْهَا) أَي مِن الْقَرَائِنَ, جَلَالَتُهُمَا أَي: عَظَمَةُ مَرْتَبَتِهِمَا فِي هَذَا الشَّأْنِ، أَي فِي هَذَا الفَنِّ.

(قَوْلُهُ: عَلَى غَيْرِهِمَا) مُتَعَلِّقٌ بِتَقَدُّمِهِمَا.

(قَوْلُهُ: بِالقَبُولِ) أَي اعْتِقَادًا وَعَمَلًا.

(قَوْلُهُ: أَقْوَى فِي إفادةِ الْعِلْمِ) أَيْ: لِأَنَّ تَلَقِّيَ الْعُلَمَاءِ إِلَخْ إِجْمَاعٌ، وَهُو لَهُ حُكْمُ التواترِ، فَهُوَ قَرِيبٌ مِن إفادةِ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ، فَهُوَ يُفِيدُ الْعِلْمَ النَّظَرِيَّ.

(قَوْلُهُ: مِن مُجَرَّدِ كَثْرَةِ الطُّرُقِ) أَي مِن غَيْرِهِمَا.

(قَوْلُهُ: القَاصِرَةِ عَن التواتُرِ) أَي: الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ حَدَّ التَّوَاتُرِ،

قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مَقْطُوعٌ بِصِحَّتِهِ، وَالْعِلْمُ اليَقِينِيُّ النَّظَرِيُّ وَاقِعٌ بِهِ خِلَافًا لِمَنْ نَفَى ذَلِكَ مُحْتَجًّا بِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ بِأَصْلِهِ إِلَّا الظَّنَّ، وَإِنَّمَا تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالقَبُولِ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِم الْعَمَلُ بِالظَّنِّ، وَالظَّنُّ قَدْ يُخْطِئُ، وَقَدْ كُنْتُ أَمِيلُ إِلَى هَذَا وَأَحْسَبُهُ قَوِيًّا، ثُمَّ بَانَ لِي أَنَّ الْمَذْهَبَ الَّذِي اخْتَرْنَاهُ أَوَّلًا هُو الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ ظَنَّ مَن هُو مَعْصُومٌ مِن الْخَطَأِ يُخْطِئُ، وَالْأُمَّةُ فِي إِجْمَاعِهِا مَعْصُومَةٌ مِن الْخَطَأِ، وَلِهَذَا كَانَ الإجماعُ المُبْتَنَى عَلَى الِاجْتِهَادِ أَي: مُسْتَنَدُهُ الْقِيَاسُ حُجَّةً مَقْطُوعًا بِهَا، وَأَكْثَرُ إِجْمَاعَاتِ الْعُلَمَاءِ كَذَلِكَ، قَالَ النَّوَوِيُّ: مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ خِلَافُ مَا قَالَهُ المُحَقِّقُونَ وَالأَكْثَرُونَ؛ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: أَحَادِيثُ الصَّحِيحَيْنِ الَّتِي لَيْسَتْ بِمُتَوَاتِرَةٍ إِنَّمَا تُفِيدُ الظَّنَّ؛ فَإِِنَّهَاَ آحادٌ، والآحَادُ إِنَّمَا يُفِيدُ الظَّنَّ عَلَى مَا تَقَرَّرَ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِمَا فِي ذَلِكَ، وَتَلَقِّي الْأُمَّةُ إِنَّمَا أَفَادَ وُجُوبَ الْعَمَلِ بِمَا فِيهِمَا مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى النَّظَرِ فِيهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا، فَلَا يُعْمَلُ بِهِ حَتَّى يُنْظَرَ، وَيُوجَدُ فِيهِ شَرْطُ الصَّحِيحِ، وَلَا يَلْزَمُ مِن إجماعِ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْعَمَلِ بِمَا فِيهِمَا إِجْمَاعُهُمْ عَلَى الْقَطْعِ بِأَنَّهُ كَلَامُ النَبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِِ وَسَلَّمَ، وَحُكِيَ تَغْلِيطُ مَقَالَةِ ابْنِ الصَّلَاحِ عَن ابْنِ بُرْهَانَ، وَكَذَا عَابَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ ابْنِ الهَمَّامِ مَا يَرُدُّ عَلَيْهِ، وانْتَصَرَ لِابْنِ الصَّلَاحِ الْمُصَنِّفُ وَمِن قَبْلِهِ شِيَخُهُ البَلْقِينِيُّ تَبَعًا لِابْنِ تَيْمِيَّةَ، انْتَهَى مُلَّا بِاخْتِصَارٍ.

(قَوْلُهُ: إِلَّا أَنَّ هَذَا) أَي مَا ذُكِرَ مِن تَلَقِّي الْعُلَمَاءِ كَذَا قَالَ الْكَمَالُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يُتَلَقَّ كُلُّهُ بِالقَبُولِ، فَاسْمُ الْإِشَارَةِ عَائِدٌ عَلَى إفادةِ الْعِلْمِ، وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ.

(قَوْلُهُ: بِمَا لَمْ يَنْتَقِدْهُ) أَي لَمْ يَعْتَرِضْ عَلَيْهِ.

(قَوْلُهُ: مِمَّا فِي الْكِتَابَيْنِ) بَيَانٌ لِمَا لَمْ يَنْتَقِدْهُ.

(قَوْلُهُ: وَبِمَا لَمْ يَقَعْ) اعْلَمْ أَنَّ كَلَامَنَا الْآنَ فِي كَوْنِهِ خَبَرَ الرَّسُولِ لَا فِي مَضْمُونِهِ، فالمُنَاسِبُ حَذْفُ قَوْلِهِ: وَبِمَا لَمْ يَقَعْ إِلَخْ؛ لِأَنَّهُ مَتَى احْتَفَّ بِهِ الْقَرَائِنُ عُلِمَ أَنَّهُ خَبَرُ الرَّسُولِ، وَقَعَ فِيهِ التَّخَالُفُ أَمْ لَا، فَإِنْ قُلْتَ: إِذَا وَقَعَ التخالُفُ فَأَحَدُهُمَا كَاذِبٌ، فَكَيْفَ يُعْلَمُ أَنَّهُ خَبَرُ الرَّسُولِ؟ قُلْتُ: لَا يَلْزَمُ مِن التَّخَالُفِ كَذِبُ أَحَدِهِمَا، بَل هُمَا صَادِقَانِ وَأَحَدُهُمَا نَاسِخٌ وَالْآخَرُ مَنْسُوخٌ.

(قَوْلُهُ: التجاذبُ) أَي التخالفُ بِأَنْ يَكُونَ مَا يَقْتَضِيهِ أَحَدُهُمَا نَقِيضَ مَا يَقْتَضِيهِ الْآخَرُ.

(قَوْلُهُ: الْعِلْمَ بِصِدْقِهِمَا) المناسبُ حَذْفُهُ؛ لِمَا عَلِمْتَ مِن أَنَّ المرادَ الْعِلْمُ بِكَوْنِهِ خَبَرَ الرَّسُولِ، وَلَا تَعَلُّقَ بِكَوْنِهِمَا صَادِقِينَ أَمْ لَا.

(قَوْلُهُ: بِصِدْقِهِمَا) أَي صِدْقِ المَدْلُولَيْنِ، وَعِنْدَ التَّرْجِيحِ يُنْتَفَى غَيْرُ المُرَجَّحِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت