الصفحة 64 من 219

مِن كلِّ مَن ليس بنبيٍّ انتهى. قالَ المصنِّفُ: سَلَّمْنَا لكنْ يجوزُ إطلاقُ مِثلِ هذه العبارةِ , وإنْ وُجِدَ مُساوٍ إذْ هو مقامُ مدحٍ ومبالغةٍ , وهو يحتملُ مثلَ ذلكَ. قالَ ابنُ قاسمٍ: فتفوتُ فائدةُ اختصاصِه بالذكرِ , وهوَ خلافُ القصدِ انتهى.

قالَ المُلَّا: وهو غريبٌ؛ لأنَّ كلامَ الشيخِ أنَّ الفائدةَ قد تكونُ هي المبالغةَ , ولهذا صرَّحَ العلماءُ بأنَّه ليس نصٌّ في أفضليَّةِ الصدِّيقِ وعلىٍّ رَضِيَ اللهُ تعالى عَنْهُما قال ابنُ القطَّانِ: ذهبَ مَن لا يَعْرِفُ معنى الكلامِ إلى أنَّ مثلَ قولِه صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ (ما أقَلَّت الغَبْرَاءُ ولا أَظَلَّت الخضراءُ أصدقَ لهجةً مِن أبي ذرٍّ) مُقْتَضَاهُ أنْ يكونَ أبو ذرٍّ أصدقَ العالمِ أجمعَ. قالَ: وليس المعنى كذلكَ , وإنما نفيُ أنْ يكونَ أحدٌ أعلى رتبةً منه في الصدقِ , ولم ينفِ أنْ يكونَ في الناسِ مثلُه في الصدقِ , وإلا لكانَ أصدقَ مِن الصدِّيقِ وليسَ كذلكَ بل قُصَارَى أَمْرِه المساواةُ له , ولو أرادَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ما ذهبوا إليه لقالَ: أبو ذرٍّ أصدقُ مِن كلِّ ما أَقَلَّتْ.

قالَ المُلَّا: وقولُ الشارحِ: ويمكنُ أنْ يقالَ: إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أوردَ كلامَه على اللغةِ لا العُرْفِ , وإلا لكانَ أبو ذرٍّ أصدقَ مِن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ , وكذا مِن الصدِّيقِ , فَغَفْلَةٌ عظيمةٌ بل زَلَّةٌ جسيمةٌ؛ لأنَّ أبا ذرٍّ لا يصحُّ أنْ يساوي صدقُه صدقَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بالإجماعِ , فهو وسائرُ الأنبياءِ مُسْتَثْنىً عقلًا وشرعًا , ويُرَادُ بالحديثِ أنَّه أصدقُ مِن أقرانِه كما أنَّ كلامَ اللهِ مُسْتَثْنىً مِن كلامِ النَّيْسابوريِّ , وإلا فيلزمُ المساواةُ قطعًا , وهو خلافُ الإجماعِ , وقالَ البقاعيُّ: الحقُّ أنَّ هذه الصيغةَ تارةً تُسْتَعْمَلُ على مقتضى أصلِ اللغةِ فتنفي الزيادةَ فقطْ , وتارةً على مقتضى ما شاعَ مِن العُرفِ فتنفي المساواةَ , ومثلُ قولِه صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: (ما طَلَعْت الشمسُ ولا غَرَبَتْ على أحدٍ) الحديثَ. وإنْ كان ظاهرُه نفيَ أفضليِّةِ الغيرِ , لكنَّه إنما يُساقُ لإثباتِ أفضليَّةِ المذكورِ , والسرُّ في ذلكَ أنَّ الغالبَ في كلِّ اثنينِ هو التفاضلُ دونَ التساوي فإذا نُفِيت أفضليَّةُ أحدِهِما ثبتتْ أفضليَّةُ الآخرِ , وبمثلِ هذا ينحلُّ الإشكالُ المشهورُ على قولِه صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: (مَن قالَ حين يُصْبِحُ وحينَ يُمْسِي: سبحانَ اللهِ وبحمدِه مائةَ مرةٍ لم يأتِ أحدٌ يومَ القيامةِ بأفضلَ ممَّا جاءَ بهِ إلا أحدٌ قال مثلَ ذلكَ أوزادَ عليه) فالاستثناءُ بظاهرِه مِن النفيِ وبالتحقيقِ مِن الإثباتِ , ويصيرُ ذلك كالحديثِ الذي رُوِيَ , عن أبي ذرٍّ قال قلتُ: يا نَبِيَّ اللهِ , علِّمْنى أفضلَ الكلامِ قالَ: (يا أبا المُنْذِرِ قلْ: لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شَرِيكَ لهُ , لهُ المُلْكُ ولهُ الحَمْدُ , يُحْيي ويميتُ بيدِه الخيرُ , وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ , مائةَ مرةٍ في كلِّ يومٍ فإنكَ يومئذٍ أفضلُ الناسِ عملًا إلا مَن قالَ مثلَ ما قلتَ) انتهى.

(قولُه: وكذلكَ) أي: ومثلُ ما تقدَّمَ في عدمِ إفادةِ تصريحِ تقديمِ صحيحِ مسلمٍ مِن جميعِ الوجوهِ وبعبارةٍ , وكذلكَ ما نُقِلَ إلخ أي: وَيُجَابُ بما تقدَّمَ أي: بِمُطْلَقِ التأويلِ لا بعينِ الجوابِ الأوَّلِ. (قولُه: أنَّه أفضلُ الخ) لكنَّه أوَّلَه الجمهورُ , وقالوا: إن صحَّ ما نُقِلَ فذلكَ أي: فترجيحُ مسلمٍ مُسَلَّمٌ فيما يُرْجَعُ إلخ (قولُه: حَسَنُ السياقِ) أي: بينَ الأحاديثِ.

(وقولُه: وجودةُ الوضعِ) أي: في التبويبِ والترتيبِ؛ فإنَّ مسلمًا يبدأُ بالمُجْمَلِ , والمُشْكِلِ , والمنسوخ ِ , والمُعَنْعَنِ , والمبهمِ ثم يَرْفِدُ بالمُبَيَّنِ , والناسخِ , والمصرِّحِ , والمُعَيِّنِ , والمَنْسُوبِ , كذا نقلَه البعضُ مِن شرحِ السَّخَاوِيِّ للتَّذْكِرَةِ والتبصرةِ , وقد اخْتُصَّ مسلمٌ أيضًا في كتابِه بجمعِ طرقِ الحديثِ في مكانٍ واحدٍ؛ لِيَسْهُلَ الكشفُ منه بخلافِ البخاريِّ كما في شرحِ التقريبِ (قولُه: ولم يُفْصِحْ أحدٌ منهم) أي: مِن المحدِّثينِ (وقولُه بأنَّ ذلكَ) أي: التفضيلَ.

(وقولُه: راجعٌ) إلى الأصحَيَّةِ أي: أَصحيَّة مسلمٍ مِن البخاريِّ (قولُه: ولو أَفْصَحُوا بهِ) أي: بكونِه أصحَّ.

(قولُه: لَردَّه عليهم شاهدُ الوجودِ) أي: شاهدٌ هو الوجودُ أي: الوجودُ الخارجيُّ , وهو الصفاتُ المذكورةُ فيه , يعني إنْ أَظْهَرُوا رجوعَ التفضيلِ إلى الأصحيِّةِ لَرَدَّ شاهدُ الوجودِ الذي إنكارُه مكابرةُ ذلكَ الرجوعِ عليهم ودفعِه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت