الصفحة 77 من 219

: بأنْ كان الراوي المخالفُ ضعيفًا لسوءِ حفظِه أو جَهالتِه أو نحوِهما وهل الشاذُّ ضعيفٌ أم لا؟ والظاهرُ أنَّ الشاذَّ والمُنْكَرَ كلاهما ضعيفٌ , لكنَّ الشاذَّ راويه قد يكونُ مقبولًا، والمُنْكَرَ راويه ضعيفٌ (قولُه: يقالُ له) أي: عندَ المحدِّثين المعروفُ أي: لكونِه معروفًا عندَهم (قولُه: ومقابِلُه المُنْكَرُ) أي: لأنَّهم أنكرُوه قالَ السخاويُّ فالمنكرُ مارواه الضعيفُ مخالفًا.

وحدُّ المُنْكَرِ: ما انفردَ به مَن لم يبلغْ في الثقةِ والإتقانِ ما يَحْتَمِلُ معه تفرُّدُه. وذكرَ مثالَه الشارحُ ويمثِّلُ له أيضا بما رواه النَّسائيُّ وابنُ ماجةَ مِن روايةِ أبي زُكَيْرٍ يحيى بنِ محمدِ بنِ قيسٍ , عن هشامِ بنِ عروةَ , عن أبيه , عن عائشةَ مرفوعًا ,"كُلُوا البلحَ بالتَّمرِ؛ فإنَّ ابنَ آدمَ إذا أكلَه غضبَ الشيطانُ"وقال: عاشَ ابنُ آدمَ حتى أكلَ الجديدَ بالخَلِقِ. فهذا الحديثُ مُنْكَرٌ كما قالَ النسائيُّ وابنُ الصلاحِ وغيرُهما فإن؛ َّ أبا زُكَيْرٍ تفرَّدَ به وأخرجَ له مسلمٌ في المُتَابَعَاتِ غيرَ أنَّه لم يبلغْ رتبةَ مَن يُحْتَمَلُ تفرُّدُه؛ ولأنَّ معناه رَكيكٌ لا يَنْطَبِقُ على محاسنِ الشريعةِ؛ لأنَّ الشيطانَ لا يغضبُ مِن مجردِّ حياةِ ابنِ آدمَ بل مِن حياتِه مسلمًا مطيعًا للهِ تعالى (قولُه: حُبَيِّبٌ) -بضمِّ الحاءِ المهملةِ وفتحِ الموحَّدةِ وتشديدِ التحتيَّةِ المكسورةِ مُصَغَّرًا - وقولُه ابنُ حَبِيبٍ بفتحٍ فكسرٍ (قولُه: وهوَ) أي: حُبَيِّبٌ المصغَّرُ أخو حمزةَ بنِ حَبِيبٍ المُكَبَّرِ (قولُه: الزيَّات) ُ بتشديدِ التحتيَّةِ أي: بايِعُ الزيتِ أو صانعُه (قولُه: المقرئُ) بِضَمِّ الميمِ , وسكونِ القافِ، وهمزةٍ في آخرِه يُبْدَلُ ياءً على مذهبِه وَقْفًا وهو إمامُ القُرَّاءِ ومن أتباعِ التابعينَ عَرَضَ عليه بعضُ تلامذَتِه ماءً في يومٍ حارٍّ فأبي تورُّعًا , وقالَ: أنا لا آخُذُ أجرًا على القرآنِ أرجو بذلكَ الفِرْدوسَ , قرأَ على جعفرٍ الصادقِ إسنادَه المسمَّى بسلسلةِ الذهبِ وعلى جماعةٍ آخرينَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم أجمعينَ.

(قولُه: عن العَيْزَارِ) - بفتحِ المهملةِ وسكونِ التحتيَّةِ وألفٍ بينَ زايٍ وراءٍ - (قولُه: ابنُ حُرَيْثٍ) - بضمِّ المهملةِ وراءٍ مفتوحةٍ، وياءٍ ساكنةٍ، بعدها مثلثةٌ - (قولُه: وقَرَى الضيفَ) بفتحِ القافِ والراءِ أي: أطعمَه إذا وجبَ عليه إطعامُه , وقولُه: دخلَ الجنةَ أي: مع السابقينَ (قولُه: هو منكرٌ) أي: هذا الحديثُ الذي رواه حبيبٌ منكرٌ بسببِ إسنادِهِ وإنْ كان معناهُ صحيحًا (قولُه: لأنَّ غيرَهُ) أي: غيرَ حبيبٍ (قولُه: أنَّ بينَ المُنْكَرِ إلخ) أي: المقابلِ المعروفِ والشاذِّ أي: المقابلِ للمحفوظِ (قولُه: موقوفًا) أي: على ابنِ عباسٍ، وقدْ رواهُ حبيبٌ مرفوعًا (قولُه: وهو) أي: ضدُّ المُنْكَرِ وفي تعليلِه نظرٌ؛ لأنَّه لا يدلُّ على أنَّ الضعفَ معتبرٌ في المُنْكَرِ , قالَ ابنُ الصلاحِ: المُنْكَرُ قسمانِ: الأوَّلُ: الفردُ المخالفُ لما رواه الثقاتُ , والثاني: الفردُ الذي ليسَ في راويهِ مِن الثقةِ والإتقانِ ما يُحْتَمَلُ معه تفرُّدُه وقالَ ابنُ قاسمٍ: هذا خلافُ ما قدَّمَهُ عن الشافعيِّ؛ لأنَّ النقصانَ أضرُّ بحديثِه ولم يكنْ ذلكَ دليلَ تحرِّيِه , وبِه عُرِفَ أنَّ المرادَ ما قلتُه، لا ما فَهِمَهُ المصنِّفُ انتهى.

قالَ المُلَّا: ويمكنُ دفعُه بأنَّ كلامَه هناكَ مبنيٌّ على زيادةِ الثقةِ في المتنِ وهنا على زيادتِه في الإسنادِ معَ أنَّ الظاهرَ مِن كلامِ الشافعيِّ أنَّه أرادَ به مَن لم يُعْرَفْ كونُه ثقةً (قولُه: عمومًا وخصوصًا مِن وجهٍ) أي: يجتمعانِ معًا وينفردُ كلٌّ منهما فيجتمعانِ لمخالفتِهِما لما هوَ أعلى منهما , ولكنَّ هذا كلامٌ ظاهريٌّ , والحقُّ أنَّ بينَهما التغايرَ؛ لأنَّ ما اجتمعا فيه جنسٌ مثلُ الحيوانِ للفرسِ والإنسانِ , ولا يقالُ: إنَّ بينَ الفرسِ والإنسانِ عمومًا وخصوصًا مِن وجهٍ (قولُه: وقد غَفَلَ مَن سوَّى بينهما) أرادَ به ابنَ الصلاحِ فإنَّه سوَّى بينهما حيثُ لم يُمَيِّزْ بينهما , وقالَ: المُنْكَرُ بمعنى الشاذِّ. وقيلَ مَن سوَّى بينهما أي: لم يُفَصِّلْ هذا التفصيلَ الذي قالَه المصنِّفُ بل قالَ: المنكرُ والشاذُّ ما قابَلا الراجحَ فلا غفلةَ، ولكنَّ المشهورَ ما قاله المصنِّفُ. قالَ ابنُ قاسمٍ: قد أَطْلَقُوا في غيرِ موضعِ النكارةِ على روايةِ الثقةِ مخالفًا لغيرِه، ومِن ذلك حديثُ نزعِ الخاتمِ حيثُ قالَ أبو داودَ: وهذا حديثٌ منكرٌ مع أنَّه روايةُ همَّامِ بنِ يحيى وهو ثقةٌ احتجَّ به أهلُ الصحيحِ قلتُ: العبرةُ في الاصطلاحِ للأغلبِ فإذا جاءَ خلافُه يُؤَوَّلُ معَ أنَّه يحتملُ أنْ لا يكونَ همَّامٌ ثقةً عندَ أبي داودَ؛ لأنَّه مجتهِدٌ لا يجبُ عليه تقليدُ غيرِه , ثمَّ قالَ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت