فهرس الكتاب
قالَ المُلَّا: وفيه إشكالٌ؛ لأنَّه إنْ أُرِيدَ به أنْ يكونَ المُعَارِضُ مساويًا للمُعَارَضِ في الصحَّةِ والحُسْنِ كما هو المتبادِرُ فيُرَدُّ عليه أنَّه تقدَّمَ أنَّ الأصحَّ يُقَدَّمُ على الصحيحِ , ويُقدَّمُ الصحيحُ على الحسنِ , وإنْ أُرِيدَ به أنْ يكونَ مثلَهُ في القبولِ فلا حاجةَ إلى ذكرِه لدلالةِ قولِه أو يكونَ مردودًا عليه.
(قولُه: فالثاني) أي: وهو المردودُ , وقولُه: لا أثرَ له أي: لا تأثيرَ له في أنْ يكونَ مقابلًا فضلًا عنْ أنْ يكونَ معارِضًا مناقِضًا (قولُه: وإنْ كانت المعارضةُ) أي: معارضةُ حديثٍ , وقولُه بمثلِه أي: بمقبولٍ آخرَ (قولُه: إما أنْ يمكنَ الجمعُ) أي: بتأويلٍ أو تقييدٍ أو تخصيصٍ.
(قولُه: بغيرِ تعسُّفٍ) متعلِّقٌ بالجمعِ , والتَّعَسُّفُ أزيدُ من التكليفِ؛ لأنَّه خروجٌ عن الجادَّةِ. قالَ المصنِّفُ: لأنَّه ما كانَ بتعسُّفٍ فللخَصْمِ أنْ يَرُدَّهُ وينتقلَ إلى ما بعدَهُ مِن المراتبِ نقلَه ابنُ قاسمٍ. (قولُه: أولاَ) أي: أو لا يمكنُ الجمعُ مطلقًا , أو يمكنُ ولكنَّهُ بتعسُّفٍ. (قولُه: فإِنْ أمكنَ الجمعُ) أي: بتكَلُّفٍ مِن غيرِ تَعَسُّفٍ، كما يأتي بيانُه (قولُه: مُخْتَلَفُ الحديثِ) اعْلمْ أنَّ هذين النوعينِ مما ينبغي لطالبِ الحديثِ أنْ يعتنيَ بمعرفتِهما لِيَسْلَمَ مِن التصحيفِ.
(قولُه: ومَثَّلَ له) أي: لهذا النوعِ (قولُه: لا عَدْوَى) بفتحٍ فسكونٍ وألفٍ مقصورٍ بعدَ اسمٍ من الإعداءِ كالدَّعْوَى والتَّقْوَى من الادِّعَاءِ والاتِّقَاءِ وهي تأثيرُ ذى مرضٍ في آخرَ بذلكَ المرضِ بعينِه وفي النهايةِ أعْدَاه الداءُ يعدِيه إعداءً وهو أنْ يصيبَه مثلُ ما أصابَ صاحبَ الداءِ (قولُه: ولا طِيَرَةَ) هي مصدرٌ كالخِيَرَةِ ولا ثالثَ لهما كذا في النهايةِ وفي الصِّحَاحِ تَطَيَّرْتُ مِن الشيءِ وبالشيءِ , والاسمُ منه الطِّيَرَةُ على وزنِ العِنَبَةِ وهي ما يُتَشَاءَمُ بهِ مِن الفألِ الرَّدِيءِ. قالَ النوويُّ: هي بكسرِ الطاءِ وفتحِ الياءِ على وزنِ العِنَبَةِ. هذا هو الصحيحُ المعروفُ في روايةِ الحديثِ وكتبِ اللغةِ، وحكَى القاضي وابنُ الأثيرِ أنَّ منهم مَن سكَّنَ الياءَ. والطِّيٌرةُ التشاؤمُ بالشيءِ على ما كانَ في عادةِ الجاهليةِ مِن أنَّهم إذا توجَّهُوا الى جهةٍ ورَأَوْا طيرًا طارَ إلى يمينِهم تفاءَلُوا بهِ وقالوا: إنَّه مبارَكٌ. وإنْ طارَ إلى يَسارِهم تشاءَمُوا بهِ ورجعُوا إلى بيوتِهم , ومنهمْ أصحابُ المَشْأَمَةِ في مقابلةِ أصحابِ المَيْمَنةِ , والتَّشاؤُمُ قدْ يكونُ بغيرِ الطيرِ كمُقابلةِ كلبٍ أو كافرٍ أو فاجرٍ , وقد يكونُ بالقولِ، كما إذا سمعَ ياحيرانُ أو نحوَه فالتطيُّرِ غُلِّبَ في التشاؤُمِ. وأمَّا الفألُ الحسنُ فأخْذُهُ مستحسنٌ، كما إذا سمِعَ: يا سعيدُ , يا رَشيدُ , والفألُ بالمصحفِ لم يَصْدُرْ عن السلفِ , واختلفَ فيه المتأخِّرونَ ولاشكَّ أنَّ التشاؤمَ بما فيه مكروهٌ سواءٌ بالحروفِ أو بالمعنى , وأما التفاؤلُ بالمعنى أو بظهورِ بسملةٍ ونحوِها فلاَ بأسَ بهِ، وأمَّا الحروفُ فلاَ دلالةَ لها على القبحِ والحُسنِ أبدًا فإذا كنتَ مسافرًا مثلًا فَسَمِعْتَ مَن يقولُ لا أَرْشَدَه اللهُ مثلًا فلا ترجعْ؛ لأنَّكَ إذا رجعتَ كأنكَ اعْتَقَدْتَ أنَّهُ مُؤَثِّرٌ مع أنَّهُ لا تأثيرَ إلا للَّهِ وحدَه.
وتمامُ الحديثِ:"ولا هامَةَ ولا صَفَرَ ولا غُولَ". والهامةُ بتخفيفِ الميمِ من طيرِ الليلِ، وقيلَ: هي البومُ وكانت العربُ تَزْعُمُ أنَّ رُوحَ القتيلِ الذي لم يُدْرَكْ ثأرُهُ تَصِيرُ هامةً فتقولُ: اسقُونى اسقُونى فإذا أُدْرِكَ ثأرُهُ طارتْ , وكانوا يزعُمونَ أنَّ صَفَرَ حيةٌ في البطنِ، والذي يَجِدُه الإنسانُ عندَ جوعِه من عَضِّه، وقيلَ كانوا يَتَشَاءَمُونَ بِصَفَرٍ ويقولون: ُ تكثُرُ فيه الفتنُ والغُولُ أحدُ الغيلانِ وهم جنسٌ من الجنِّ كانت العربُ تزعمُ أنها تَتَرَآي للناسِ في الفلاةِ فتتلوَّنُ في صورٍ شتَّى فتغولُهم أي: تُضِلُّهم عن الطريقِ وتُهْلِكُهم، فنفاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وليسَ هو نفيًا لوجودِهِ لقولِه تعالى: (كالَّذِي اسْتَهْوَتْه الشياطينُ في الْأَرْضِ حَيْرَانَ) الآيةَ بل إبطالُ زعمِهم في تلوُّنِه بالصورِ المختلفةِ، وأمَّا ما ذَكَرُه في مختصرِ النهايةِ أنَّ معنى: لا غُولَ أي: لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُضِلَّ أحدًا , فليسَ على ظاهرِه لمخالفةِ الآيةِ المذكورةِ.