فهرس الكتاب
(قولُه: فِرَّ) - بكسرِ الفاءِ، وتشديدِ الراءِ المفتوحةِ - والمجذومُ: هو الذي أصابَه الجُذَامُ وكأنَّه جُذِمَ أي: قُطِعَ. قالَ في القاموسِ: الجُذَامُ: كغُرَابٍ عِلَّةٌ تحدثُ مِن انتشارِ السوداءِ في البدنِ كلِّه، فيُفْسِدُ مِزاجَ الأعضاءِ وهيآتِها.
(قولُه: وكلاهما في الصحيحِ) أي: معدودانِ فيه أمَّا الأوَّلُ فرواه أحمدُ , ومسلمٌ , عن جابرٍ على ما في الجامعِ الصغيرِ للسيوطيِّ. وأما الثاني فقالَ الزَّرْكَشِيُّ: رواه الشيخانِ فأرادَ المصنِّفُ أنهما في مرتبةٍ واحدةٍ مِن الصحَّةِ مع قطعِ النظرِ في أنَّ أحدَهُما أصحُّ مِن الآخرِ كما تقرَّرَ.
(قولُه: وظاهرُهما التعارضُ) أي: في المعنى المدلولِ لهما؛ إذ الأوَّلُ يدلُّ على نفيِ الإعداءِ مطلقًا , والثاني على إثباتِه المؤكَّدِ بالأمرِ للجزمِ المشبهِ بالحتمِ ذكرَه المُلَّا (قولُه: ووجهُ الجمعِ) أي: حتى يكونَ مِن مُخْتَلِفِ الحديثِ (قولُه: لا تُعْدِى بطبعِها) أي: كما يقولُ به الطَّبِيعيُّونَ (قولُه: جعلَ مخالطةَ المريضِ بها) أي: بتلكَ الأمراضِ , والجارَ والمجرور متعلِّقٌ بالمريضِ.
(قولُه: سببًا) مفعولٌ ثانٍ لجعلَ (قولُه: لإِعْدَائِه) بكسرِ الهمزةِ أي: إعداءِ الصحيحِ , مرضُه بالرفعِ أي: مرضُ المريضِ أي: إعداءُ المريضِ الصحيحَ بمرضِه , أو أنَّ الضميرَ عائدٌ على المريضِ أي: إعداءِ المريضِ الصحيحَ بمرضِهِ.
(قولُه: ثُمَّ قد يَتَخَلَّفُ ذلكَ) أي: الإعداءُ , وقولُه: عن سببِه أي: وهي المخالطةُ (قولُه: كذا جمعَ ابنُ الصلاحِ إلخ) قالَ المُلَّا: وحاصلُه أنَّ النفيَ في قولِه صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لِما كانَ يعتقدُه أهلُ الجاهليةِ وبعضُ الحكماءِ الفلسفيَّةِ , وأربابُ العلومِ الرياضيةِ , والطبيعيةِ مِن أنَّ هذه الأمراضَ مِن الجُذَامِ والبرصِ تُعْدِي بالطبعِ كما زعموا أنَّ الماءَ بالطبعِ يُغْرِقُ , والنارَ بالطبعِ تُحِرِقُ، وقد ردَّهما اللهُ تعالي بكتابِه أبلغَ ردٍّ في قصةِ إبراهيمَ وموسى , وأنَّ الإثباتَ في الحديثِ الثاني باعتبارِ السببِ العادي في جعلِ ذلكَ، ولكونِه رحمةً للعالمينَ حذَّرَ أمَّتَهُ المرحومةَ مِن الضررِ الذي يُوجَدُ عندَه عادةٌ بفعلِ اللهِ تعالى وفي التشبيهِ بالأسدِ إيماءٌ إلى ذلكَ. وقد يقالُ: الجمعُ بينهما بأنَّ النفيَ للاعتقادِ , والأمرَ بالفرارِ للفعلِ , كما نَهى صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عن الدخولِ في بلدِ الطاعونِ , معَ أنَّ المُعْتَقَدَ أن لا تأثيرَ لغيرِ اللَّهِ , وأنَّه إذا جاءَ أجلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ , والظاهرُ أنَّ الأمرَ بالفرارِ رُخْصّةٌ للضعفاءِ , ولذا خصَّهُ بالمخَاطبِ. وأما الكامِلونَ المتوكِّلُونَ فلا حرجَ في حقِّهم إذ صحَّ أنه صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أكلَ معَ مجذومٍ وقالَ: (بسمِ اللهِ ثقةً باللهِ، وتوكُّلًا عليه) رواه أبو داودَ وغيرُه. وأمَّا ما وردَ مِن أنَّه صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قالَ لمجذومٍ جاءَه ليبايعَه، فلم يمدَّ يدَه إليه وقالَ: (قد بايَعْتُ) فمحمولٌ على بيانِ الجوازِ أو على اختلافِ الحالِ , ففي الأوَّلِ نظرٌ إلى الْمُسَبَّبِ المناسبِ لمقامِ الجمعِ , وفي الثاني نظرٌ إلى السببِ الملائمِ لمقامِ الفرقِ وبَيِّنٌ أنَّ كلًا مِن المقامينِ حقٌّ، والجمعُ هو ما سُلِبَ عنكَ والفرقُ ما نُسِبَ إليكَ , ومعناه أنَّ ما يكونُ كسبًا للعبدِ مِن إقامةِ وظائفِ العبوديةِ وما يليقُ بأحوالِ البشريَّةِ فهو فرقٌ، وما يكونُ مِن قِبَلِ الحقِّ مِن إبداءِ معانٍ وابتداءِ لطفٍ وإحسانٍ فهو جمعٌ ولابدَّ للعبدِ منهما، فإنَّ مَن لا تفرقةَ لهُ لا عبوديةَ لهُ , ومَنْ لا جمعَ له لا معرفةَ لهُ , فقولُ العبدِ: إيَّاكَ نعبدُ. إثباتٌ للتفرقةِ بإثباتِ العبوديَّةِ , وقولُه: إيَّاكَ نستعينُ طلبُ الجمعِ فالتفرقةُ بدايةٌ مع الإرادةِ , والجمعُ نهايتُها وجمعُ الجمعِ مقامٌ آخرُ أتمُّ وأعلى مِن الجمعِ , فالجمعُ شهودُ الأشياءِ باللهِ والتبرِّيِ مِن الحولِ والقوَّةِ إلا باللهِ , وجمعُ الجمعِ الاستهلاكُ بالكلِّيَّة، ِ والفناءُ عما سِوَى اللهِ تعالى وهو المرتبةُ الأُحَدِيَّةُ.
(قولُه: باقٍ على عمومِه) أي: لا بسببٍ ظاهريٍّ ولا بالطبعِ فَتُنْفَى العدوى رأسًا (قولُه: وقد صحَّ الخ) هذا دليلٌ لإبقاءِ النفيِ على عمومِه (قوله: لمَن عارضَه) المرادُ المعارضةُ اللغويَّةُ لا الاصطلاحيَّةُ , وإلا فمعارضةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ على الحقيقةِ كفرٌ، فالمعنى اسْتَشْكَلَه، وسألَه، وقابلَ كلامَه بقولِه: إنَّ البعيرَ الخ.