الصفحة 91 من 219

(قولُه: المدلَّسُ) وهو نوعانِ مذمومٌ وهو أنْ يرويَ الراوي حديثًا عن شيخٍ عاصرَه أو سمعَ منه في الجملةِ، ولم يسمعْ منه ذلكَ الحديثَ الذي رواه عنه , بل سمعَه من ضعيفٍ أسقطَه , كتدليسِ بَقِيَّةَ بنِ الوليدِ - بموحَّدَةٍ مفتوحةٍ وقافٍ مكسورةٍ وتحتيَّةٍ مشدَّدَةٍ.

قلتُ: وممَّا قيلَ في هذا الرجلِ: بقيهُ ليسَ بنقِيَّةٍ فكنْ منه على تقيَّةٍ , وغيرُ مذمومٍ وهو أنْ يكونَ مَن سمعَ منه ثقةً في الواقعِ كتدليسِ ابنِ عيينةَ (قولُه: سُمِّيَ بذلكَ) أي: سُمِّي القسمُ الثاني بالمدلَّسِ لكونِ الراوي إلخ قالَ البقاعيُّ: ومنه التدليسُ في البيع، ِ يقالُ: دلَّسَ فلانٌ على فلانٍ أي: سترَ عنه العيبَ الذي في متاعِه , كأنه أظلمَ عليه الأمرَ , وهو في الاصطلاحِ راجعٌ إلى ذلكَ من حيثُ إنَّ مَن أسقطَ مِن الإسنادِ شيئًا، فقد غطَّى ذلكَ الذي أسقطَه وزادَ في التغطيَةِ لِإِتْيَانِه بعبارةٍ مُوهِمَةٍ وكذا تدليسُ الشيوخِ فإنَّ الراوي يُغَطِّي الوصفَ الذي به يُعْرَفُ الشيخُ أو يُغَطِّي الشيخَ بوصفٍ غيرِ ما اشتهرَ بهِ انتهى.

(قولُه: واشتقاقُه) أي: أُخِذَ المُدَلَّسُ (قولُه: وهو اختلاطُ الظلام) ِ أي: بِالنورِ كما يكونُ في أوَّلِ الليلِ , هذا معنى الدَّلَسِ لغةً، كما في القاموسِ، وفيه أيضًا أنَّ الدَّلَسَ يُطْلَقُ على الظلمةِ فما اقتصرَ عليه الشارحُ أحدُ المعنيينِ اللغويينِ للدَّلَسِ , وكلٌّ مِن الظلْمَةِ واختلاطِ الظلامِ يُغَطِّي الأشياءَ عن النظرِ ويخفيها عنه، فمَن أسقطَ مِن السندِ شيئًا، فقد غَطَّى ذلكَ الذي أسقطَه أي: أخفاهُ وسترَه.

(قولُه: سُمِّيَ بذلكَ) أي: سُمِّيَ المدلسَ بالمعنى الاصطلاحيِّ , وقولُه لاشتراكِهِما أي: المحذوفِ والنورِ في الخفاءِ.

(قولُه: ويُرَدُّ المدلَّسُ) أي: وحقُّه أنْ يُرَدَّ (قولُه: تَحْتَمِلُ) أي: اللُّقَى الأُولَي تحتملُ السماعَ ولكن اشتهرَ إطلاقُ اللُّقَى على السماعِ قيلَ: والأَوْلَى أنْ يقولَ: وقوعُ السماعِ؛ لأنَّ أداءَ الحديثِ على وجهٍ مُشْعِرٍ بأنَّه سمعَه ممَّن روى عنه مُوجِبٌ لكونِ الراوي مدلِّسًا ويُرْشِدُكَ إليه قولُه أَوْهَمَ سماعُه وأمَّا أداؤُه على وجهٍ مُشْعِرٍ باللُّقَى فلا يُوجِبُ؛ لأنَّ اللُّقَى معتبرٌ في المدَلِّسِ، كما صرَّحَ بهِ في الشارحِ وأوهمَ به المتنُ.

(قولُه: كعن) وكذا قال أي: عن فلانٍ، وقالَ فلانٌ لئَلَّا يكونَ كذبًا , ولفظُ كذا في الشارحِ مُسْتَغْنًى عنه بالعطفِ (قولُه: ومتى وقعَ) أي: وإنما قلنا حقُّه أنْ يُرَدَّ المدلَّسُ إلخ؛ لأنه متى وقعَ أي: الحديثُ بصيغةٍ صريحةٍ أي: في السماعِ أي: لا تجوزُ فيها كأنْ يقولَ حدَّثَنى , وأخبرنى , وسمِعتُ منه فهو كذبٌ واحْتُرِزَ بالصريحةِ عن غيرِها؛ كقولِ الحسنِ البصريِّ، عن ابنِ عباسٍ: حدَّثنا ابنُ عباسٍ. لأنَّهُ معلومٌ أنه لم يلْقَه ولكنْ يقالُ هو صريحٌ وكقولِ ثابتٍ البُنانيِّ خَطَبَنا عمرُ بنُ حسينٍ فالمرادُ خطَبَ بلدتَنا.

(قولُه: كانَ كَذِبًا) أي: الحديثُ يكونُ كَذِبًا لا تدليسًا وفي بعضِ النسخِ كانَ أي: الراوي كاذبًا وليسَ بمدلِّسٍ أصلًا. وحاصلُه أنَّه متى وقعَ الحديثُ المدلَّسُ بلفظٍ صريحٍ فهو كذبٌ وأَمَّا إذا وقعَ مِن المدلِّسِ , أي: ممَّن وقعَ منه التدليسُ في بعضِ الصورِ , حديثٌ بلفظٍ صريحٍ فإنَّه مقبولٌ إذا كانَ المدلِّسُ عدلًا كما سيأتي تأمَّلْ.

(قولُه: وحكمُ مَن ثبتَ عنه التدليسُ) أي: إيرادُ الإسنادِ بصيغةٍ تحتملُ السماع، َ وهوَ مبتدأٌ خبرُه أنْ لا يُقْبَلَ أي: الحديثُ منه (قولُه: إلا ما صرَّحَ فيه بالتحديثِ أي: بيَّنَ السماعَ فيه بحيثُ زالَ احتمالُ الانقطاعِ وأتَى بلفظٍ بيِّنٍ للاتصالِ وصرَّح فيه كسَمِعْتُ , وحدَّثَنا , وأخبرنا , فهو مقبولٌ مُحَتَجٌّ به. والحاصلُ أنَّه قيلَ: لا يُقْبَلُ مطلقًا وقيلَ يُقْبَلُ مطلقًا وقيلَ: إنْ كانَ عدلًا وصرَّحَ به في التحديثِ قُبِلَ وإلا فلاَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت