الصفحة 92 من 219

(قولُه على الأصحِّ) قالَ المُلَّا أي: لأنَّ التدليسَ ليسَ كذبًا وإنما هو تحسينٌ لظاهرِ الإسناد، ِ وضربٌ من الإيهامِ بلفظٍ مُحْتَمِلٍ فإذا صرَّحَ بوصلِه، وزالَ الإيهامُ قُبِلَ , وقَيَّدَ بقولِه عدلًا؛ لأنَّه إذا لم يكنْ عدلًا فلا يُقْبَلُ منه أصلًا , وقالَ فريقٌ مِن المحدِّثينَ والفقهاءِ: مَن عُرِفَ بارتكابِ التدليسِ ولو مرةً صارَ مجروحًا مردودًا في الروايةِ إنْ بيَّنَ السماعَ وأتَى بصيغةٍ صريحةٍ في هذا الحديثِ أو في غيرِه من أحاديثِه انتهى.

قالَ الشيخُ شمسُ الدينِ محمدٌ الجَزَرِيُّ: التدليسُ قسمانِ: تدليسُ الإسنادِ وتدليسُ الشيوخِ.

أمَّا تدليسُ الإسنادِ: فهو أنْ يرويَ عمَّن لقِيَهُ أو: عاصرَه ما لم يَسْمَعْه منه مُوهِمًا أنَّه سمعَه منه , ولا يقولُ: أخبرَنا وما في معناه , بل يقولُ: قالَ فلانٌ , أو عنْ فلانٍ , وإنَّ فلانًا قالَ , وما أشبَه ذلكَ، ثُمَّ قد يكونُ بينهما واحدٌ، وقد يكونُ أكثرَ وربَّمَا لم يُسْقِط المدلِّسُ شيخَه، ولكن يُسْقِطُ مِن بعدِه رجلًا ضعيفًا أو صغيرَ السنِّ لِيُحَسِّنَ الحديثَ بذلكَ , وكان الأعمشُ , والثوريُّ , وابنُ عيينةَ , وابنُ إسحاقَ وغيرُهم يَفْعَلونَ هذا النوعَ، ومِن ذلكَ ما حكَى ابنُ خشرمٍ: كنا يومًا عندَ سفيانَ بنِ عيينةَ فقالَ: عن الزهريِّ فقيلَ له: أحَدَّثَكَ الزهريُّ؟ فسكتَ ثُمَّ قالَ: قالَ الزهريُّ. فقيلَ له سمعتَه مِن الزهريِّ؟ فقالَ لم أسمعْه مِن الزهريِّ، ولا ممَّن سمِعُه مِن الزهريِّ , حدَّثنى عبدُ الرزاقِ , عن معمرٍ , عن الزهريِّ , رواه الحاكمُ. وهذا القسمُ مِن التدليسِ مكروهٌ جدًّا , فاعلُه مذمومٌ عندَ أكثرِ العلماءِ , ومَنْ عُرِفَ به فهوَ مجروحٌ عندَ جماعةٍ، لا تُقْبَلُ روايتُه، بيَّنَ السماعَ، أو لم يُبَيِّنْهُ والصحيحُ التفصيلُ فيما بيَّنَ فيه الاتصالَ كسَمِعْتُ وحدَّثَنا , ونحوُ ذلكَ مقبولٌ ففي الصحيحينِ وغيرِهما منه كثيرٌ. قالَ النوويُّ: وذلكَ لأنَّ هذا التدليسَ ليسَ كذبًا، وما لم يُبَيَّنْ فيه الاتصالُ فلفظُه مُحْتَمِلٌ , وحكمُه حكمُ المرسَلِ وأنواعِه وأجرى الشافعيُّ هذا الحكمَ فيمن دلَّسَ مرةً. وأمَّا تدليسُ الشيوخِ: وهو أنْ يُسَمِّيَ شيخًا سمعَ منه بغيرِ اسمِه المعروفِ أو يَنْسِبَه أو يصفَه بما لا يَشْتَهِرُ به كيلا يُعْرَفَ وهذا أخفُّ مِن الأوَّلِ ويختلفُ الحالُ في كراهتِه بحسبِ اختلافِ القصدِ الحاملِ عليهِ , وهو إما لكونِه ضعيفًا أو صغيرًا أو متأخِّرَ الوفاةِ أو لكونِه مُكْثِرًا عنه , أو شاركَه في السماعِ منه جماعةٌ دونه , وتَسْمَحُ به جماعةٌ مِن المصنِّفِينَ كالخطيبِ، وقد أكثرَ منه , ومنه قولُ ابنِ مجاهدٍ المُقْرِي: حدَّثَنا عبدُ اللهِ بنُ أبي عبدِ اللهِ يريدُ- أبا بكرٍ عبدَ اللهِ بنَ أبي داودَ السجستانيَّ- وقولُه: حدَّثَنَا محمَّدُ بنُ سندٍ يعني- أبا بكرٍ محمدَ بنَ الحسنِ النقاشَ- نسبَه إلى جدٍّ له. قلتُ: هو محمدُ بنُ الحسنِ بنِ زيادِ بنِ هارونَ بنِ جعفرِ بنِ سندٍ انتهى.

قالَ الشيخُ مُلَّا علي قارى: وقيلَ: المدلِّسُ ثلاثةُ أقسامٍ. أحدُها ما ذكرَه المصنِّفُ وهو أنْ يُسْقِطَ اسمَ شيخِهِ الذي سمعَ منه ويَرْتَقِيَ إلى شيخِ شيخِه أو مَن فَوْقَه فَيُسْنِدُ ذلكَ بلفظٍ لا يقتضي الاتصالَ بل بلفظٍ مُوهِمٍ له كعن فلانٍ أو قالَ فلانٌ وإنما يكونُ ذلكَ تدليسًا إذا كانَ المدلِّسُ لقيه ولم يَسْمَعْ منه أو سمِعَ غيرَ أنَّه لم يَسْمَعْ منه ذلكَ الحديثَ، مثالُ ذلكَ ما رُوِيَ عن عليِّ بنِ خَشْرَمٍ قالَ: كنَّا عندَ ابنِ عيينةَ إلخ ما تقدَّمَ. وثانيها أنْ يَصِفَ المدلِّسُ شيخَه بوصفٍ لا يُعْرَفُ به مِن اسمٍ أو كنيةٍ أو يَنْسِبَه إلى قبيلةٍ أو صنعةٍ أو بلدٍ أو نحوِ ذلكَ كي يُوعِرَ الطريقَ إلى السماعِ له كقولِ ابنِ مجاهدٍ أحدِ القراءِ: حدَّثَنا عبدُ اللهِ بنُ أبي عبدِ الله يريدُ بهِ- عبدَ اللهِ بنَ أبي داودَ السجستانيِّ صاحبَ السننِ - وثالثُها: تدليسُ التسويةِ، وصورتُه أنْ يرويَ حديثًا عن شيخٍ ثقةٍ , وذلكَ الثقةُ يرويه عن ضعيفٍ، عن ثقةٍ، فيأتي المدلِّسُ الذي سمعَ الحديثَ مِن الثقةِ الأَوَّلِ فيُسْقِطُ الضعيفَ الذي في السندِ ويجعلُ الحديثَ عن شيخِه الثقةِ عن الثقةِ الثاني فيُسَوِّي الإسنادَ كلَّه ثقاتٍ فهذا أشدُّ أقسامِ التدليسِ؛ لأنَّ الثقةَ الأَوَّلَ قد لا يكونُ معروفًا بالتدليسِ، ويَجِدُه الواقفُ على السندِ كذلكَ بعدَ التسويةِ قد رواه عن ثقةٍ آخرَ، فيَحْكُمُ له بالصحَّةِ وهذا غرورٌ شديدٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت