فهرس الكتاب
وأما القسمُ الأَوَّلُ فمكروهٌ جِدًّا ذَمَّه أكثرُ العلماءِ وكانَ شعبةُ أشدَّهُم ذمًّا فروى الشافعيُّ، عن شعبةَ قالَ: التدليسُ أخو الكذبِ. وقالَ: لأنْ أَزْنِيَ أحبُّ إلىَّ مِن أنْ أُدَلِّسَ. قالَ: وهذا مِن شعبةَ محمولٌ على الزجرِ والتنفيرِ.
والقَسْمُ الثاني أمرُه أخفُّ وفيه تضييعٌ للمرويِّ عنه والمرويِّ وتوعيرٌ لطريقِ معرفتِه على مَن يطلبَ الوقوفَ على حالِه انتهى.
وإنما أطلْنا في سردِ هذا الكلامِ لما فيه من الفوائدِ العوائدِ (قولُه: وكذا المرسلُ الخفيُّ) أي: إنَّ المرسلَ الخفيَّ مثلُ المدلَّسِ في الردِّ، وهو عطفٌ على المدلَّسِ فحينئذٍ قولُه وكذا يفيدُ أنَّه ليسَ من أقسامِ الخفيِّ , ويفيدُ الضررَ مِن وجهينِ؛ لأنَّه يفيدُ أنَّ وجهَ الشبهِ تقدَّمَ وليسَ كذلكَ وأيضًا يضُرُّ عطفُه على المدلَّسِ , وأمَّا الإتيانُ بها لطولِ العهدِ كما قالَ المُلَّا: أي الثاني هو المدَلَّسُ والمرسَلُ الخفيُّ أي: مُنْقَسِمٌ إليهما فلا يُسَلَّمُ فالأَوْلَى حذفُها إلا أنْ يقالَ: إنَّ كذا مقدِّمةٌ من تأخيرٍ، والأصلُ والمرسَلُ الخفيُّ كذا أي: من القسمِ الثاني ولكنَّه معلومٌ مِن الحملِ، ثُمَّ اعلمْ أنَّه ليسَ المرادُ بالمرسلِ هنا ما سقطَ من سندِه الصحابيُّ كما هو المشهورُ في حدِّ المرسَلِ , وإنما المرادُ هنا مطلقُ الانقطاعِ، ثمَّ الإرسالُ بهذا المعنى على نوعينِ ظاهرٍ وخفيٍّ:
فالظاهرُ هو أنْ يرويَ الرجلُ عمَّن لم يُعاصِرْه أي: لم تَثْبُتْ مُعَاصَرَتُه أصلًا، بحيثُ لا يشتبهُ إرسالُه باتصالٍ على أهلِ الحديثِ كأنْ يرويَ مالكٌ مثلًا عن سعيدِ بنِ المسيِّبِ , والخفيُّ هو أنْ يرويَ عمَّن سمِعَ منه ما لم يَسْمَعْه، منه أو عمَّن لقيه، ولم يسمعْ منه , أو عمَّن عَاصَرَه ولم يَلْقَه فهذا قد يخفى على كثيرٍ مِن أهلِ الحديثِ؛ لكونِهما قد جمعهما عصرٌ واحدٌ وهذا أشبهُ برواياتِ المدلِّسينَ كذا حقَّقَه العراقيُّ ومثالُ ذلكَ أنْ يُحَدِّثَكَ شيخٌ بمصرَ مثلًا، وقد أخذَ هو عن شيخٍ في مكةَ، فتُسْقِطُ الشيخَ الذي أَخَذْتَ عنه بمصرَ وتُسْنِدُ الحديثَ للذى أخَذَ عنه شيخُكَ بمكَّةَ , والمرسَلُ الخفيُّ والمدلَّسُ مُتَبَايِنَانِ.
(قولُه: إذا صدرَ الخ) هذا القيدُ لبيانِ الواقعِ لا للاحترازِ , والأنسبُ أنْ لو قالَ: وهو الصادرُ مِن مُعَاصرٍ، ولذا قالَ ابنُ قاسمٍ: هذا الشرطُ يوهمُ أنَّ له مفهومًا وليسَ كذلكَ , إذ ليسَ لنا مرسَلٌ خفيٌّ إلا ما صدرَ عن معاصرٍ لم يُلْقَ انتهى.
قالَ المُلَّا: وفيه أنَّ الحصرَ غيرُ صحيحٍ لما تقدَّمَ مِن الصورِ ومِن جملتِها معاصرٌ لم يُلْقَ , وقولُه (مَن حدَّثَ عنه الأظهرُ لم يُعْرَفْ لقاؤُه، كما صرَّحَ به فيما سيأتي(قولُه: بل بينَه) أي: بينَ المعاصرِ وبينَه أي: المحدِّثِ عنه واسطةٌ.
(قولُه: من عُرِفَ لقاؤُه إيَّاهُ) أي: والمرسَلُ الخفيُّ يختصُّ بمن روَى عمَّن عاصرَه ولم يُعْرَفْ أنَّهُ لقِيَه على ما ذكرَه السخاويُّ (قولُه: ولو بغيرِ لُقًى) أي: هذا إذا كانَ معَ اجتماعٍ وسماعٍ بل ولوبغيرِ لُقًى ولكنْ كانَ الأحسنُ أنْ يقولَ: ومَن اكتفى بمجرَّدِ المعاصرةِ لزمَه الخ وقولُه: في تعريفِ أي: تعريفِ التدليسِ. (قولُه: لابدَّ منه) خبرُ أنَّ مِن قولِه على أنَّ الاعتبارَ إلخ , وقولُه: إطباقُ أهلِ العلمِ فاعلٌ بيدلُّ (قولُه بالحديثِ) مُتَعَلِّقٌ بالعلمِ أي: اتفاقُهم على أنَّ إلخ.
(قولُه: المُخَضْرَمِينَ) جمعُ مُخَضْرَمٍ بالخاءِ والضادِ المُعْجَمَتَينِ وفتحِ الراءِ يقالُ خَضْرَمَ عما أَدْرَكََه قطَعَ , وهو مَن أدركَ الجاهليَّةَ والإسلامَ ولم يُعْلَمْ هل اجتمعَ بالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أم لا وسيأتي الخلافُ في أنَّهم هلْ مَعْدودونَ مِن الصحابةِ أم من كبارِ التابعينَ، كما هو الصحيحُ، وعدَّهم مسلمٌ عشرينَ نفسًا.
(قولُه: كأبي عثمانَ النَّهْدِيِّ) بفتحِ النونِ وسكونِ الهاءِ (قولُه: مِن قبيلِ الإرسالِ) أي: الخفيِّ، وهوَ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ، تقديرُهُ عدُّوهُ (قولُه: ولكن لم يُعْرَفْ هل لَقُوهُ أمْ لا) .