فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 21

قلت: ليس قول من وقفه بأولى من قول من رفعه؛ إذ الرافعون لهذا الحديث جماعة من الثقات الذين يعتمد على حفظهم، وباجتماعهم في الإتيان بزيادة الرفع يصعب معه القول بتغليطهم، لاسيما وقد ذهب مسلم إلى اعتماد قول الرافعين؛ لأمرين: الأول: ثقتهم وضبطهم مع اجتماعهم في الجملة، والثاني: أن مع الرافع زيادة علم قصر بها الواقف، فوجب قبولها؛ إذ جاءت من حافظ يعتمد على حفظه، ويصعب معه القول بتغليطه مع المتابعة، لاسيما مع عدم معارضة الموقوف إذ هو في معناه، لأن مثله لا يصدر عن رأي واجتهاد، والله أعلم.

قال أبو مسعود الدمشقي في الأجوبة (17) :"قال [يعني: الدارقطني] : وأخرج عن عمرو بن مسلم، عن ابن المسيب، عن أم سلمة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم: إذا دخل العشر."

وصوابه موقوف، وقد تركه البخاري.

قال أبو مسعود: وهذا أخرجه من حديث غندر ويحيى بن كثير عن شعبة، عن مالك مسندا مجودا، وإنما كان مالك بآخره لا يسنده.

وأخرجه أيضا من حديث سعيد بن أبي هلال، ومحمد بن عمرو، عن عمرو بن مسلم عن سعيد بن المسيب، عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وكذلك أخرجه من حديث ابن عيينة، عن عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن سعيد بن المسيب، عن أم سلمة، عن النبي صلى الله عليه وسلم.

قال أبو مسعود: وهذا حديث قد أسنده جماعة غير من ذكرهم مسلم، ووثقه جماعة"."

وقال ابن القيم في تهذيب السنن (7/ 346 - عون المعبود) :"وليس شعبة وسفيان بدون هؤلاء الذين وقفوه، ولا مثل هذا اللفظ من ألفاظ الصحابة، بل هو المعتاد من خطاب النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: لا يؤمن أحدكم، أيعجز أحدكم، أيحب أحدكم، إذا أتى أحدكم الغائط، إذا جاء أحدكم خادمه بطعامه، ونحو ذلك".

قلت: ولم ينفرد مسلم بتصحيحه، فقد احتج به يحيى بن سعيد القطان والشافعي وأحمد وإسحاق، وصححه: الترمذي، وأبو عوانة، والطحاوي، وابن حبان، وأبو مسعود الدمشقي، والحاكم، والبيهقي، والبغوي، وابن عساكر، وابن الأثير، وابن القيم، وابن حجر، واحتج به أبو داود والنسائي.

والوقف هنا لا يعارض الرفع؛ إذ مثله لا يقال من جهة الرأي والاجتهاد؛ فصار الواقف له مقصرًا أو محتاطًا، لاسيما مع ثبوت طرق الرفع وكثرتها؛ لذا استشهد الحاكم بالموقوف على صحة المرفوع، ولا غضاضة في ذلك؛ لأنه في معناه، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت