وأما دعوى ابن عبد البر في التمهيد (17/ 237) ؛ بأن أكثر أهل العلم يضعفون حديث أم سلمة هذا؛ فهي دعوى لا برهان عليها، بل إن أكثر أهل العلم على تصحيح حديث أم سلمة وقبوله والعمل بما دل عليه، حتى إن يحيى بن سعيد القطان والذي نقل عنه وقف الحديث، كان ممن قال به، واحتج به، واحتجاجه به فرع عن تصحيحه [انظر: التوضيح لابن الملقن (26/ 640) ] .
(قال عبد الله بن أحمد في مسائله(972 و 973) :"سمعت أبي يقول: إذا دخل العشر فأراد أحدكم أن يضحي فلا يقصر من شعره شيئًا."
قال: سألت أبي عن رجل أراد أن يضحي؟ قال: لا يأخذ من شعره ولا من أظفاره.
قلت له: يحتجم؟ قال: نعم؛ ما لم يحلق شعرًا؛ ذهب إلى حديث أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم: إذا دخل العشر فلا يأخذ من شعره ولا من أظافره"."
وقال صالح بن أحمد في مسائله (669) :"قال أبي: سألت عبد الرحمن بن مهدي عما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان إذا بعث بالهدي لم يمسك عن شيء يمسك عنه المحرم، وعن قوله: إذا دخل العشر وأراد أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من بشره؟ فلم يجبني عبد الرحمن بشيء وسكت."
فسألت يحيى بن سعيد، فقال: لهذا وجه، ولهذا وجه، قال: ولهذا أمثال وأشباه في السنن، نهى النبي صلى الله عليه وسلم حكيما أن يبيع ما ليس عنده، وأذن في السلم، والسلم بيع مضمون إلى أجل، فلو رد أحد الحديثين بالآخر، فيقول: قد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع ما ليس عندك، والسلم بيع ما ليس عندك، فهو مردود؛ لم يجز ذلك، ويعطى هذا وجهه، وذلك وجهه، فيجوز السلم، ولا يجوز أن يبيع ما ليس عنده.
ونهى عن الصلاة بعد العصر، وقال: من أدرك من صلاة العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها، فلهذا وجه، ولهذا وجه، لا يبتدئ صلاة بعد العصر متطوعا، فإذا أدرك ركعة من عصر يومه فقد أدرك، وكذلك لو ذكر صلاة عصر فاتته صلاها بعد ما يصلي العصر، لقوله: من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها.
وقوله: من باع شاة مصراة فصاحبها بالخيار إن شاء أمسكها وإن شاء ردها وصاعا من تمر، وقوله: الخراج بالضمان، فلهذا وجه، ولهذا وجه، إذا اشترى الشاة أو الناقة المصراة فحلبها فإن أراد ردها ورد معها صاعا من تمر، وإذا اشترى عبدا فاستغله ثم وجد به عيبا؛ كان له الغلة بالضمان، فلهذا وجه، ولهذا وجه.
ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش إذ سألته، فقالت: إني أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال: إنما ذلك عرق وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي، وقال للتي لها أيام معلومة: اجلسي قدر ما كانت تحبسك حيضتك،