فهرس الكتاب
وقالَ الحافظُ عثمانُ بنُ خُرَّزَاذَ (م سنة 282 هـ) رَحِمَه اللهُ تعالى: (يَحتاجُ صاحبُ الحديثِ إلى خَمْسٍ، فإن عُدِمَتْ واحدةٌ فهي نَقْصٌ: يَحتاجُ إلى عَقْلٍ جَيِّدٍ، ودِينٍ، وضَبْطٍ، وحَذَاقَةٍ بالصِّناعةِ مع أَمانَةٍ تُعْرَفُ منه) .
قلتُ: أي الذهبيُّ: (الأمانةُ جزءٌ من الدينِ، والضبْطُ داخلٌ في الْحِذْقِ، فالذي يَحتاجُ إليه الحافظُ أن يكونَ تَقِيًّا، ذَكِيًّا، نَحْوِيًّا، لُغَوِيًّا، زَكِيًّا، حَيِيًّا، سَلَفِيًّا يَكفِيه أن يَكتُبَ بيَدَيْهِ مِئَتَي مُجَلَّدٍ، ويُحَصِّلَ من الدواوينِ الْمُعْتَبَرَةِ خَمْسَ مِئَةِ مُجَلَّدٍ وأن لا يَفْتُرَ من طلَبِ العِلْمِ إلى الْمَمَاتِ بِنِيَّةٍ خالِصَةٍ، وتوَاضُعٍ وإلا فلا يَتَعَنَّ) اهـ.
تلَقِّي العِلْمِ عن الأشياخِ:
الأصلُ في الطلَبِ أن يكونَ بطريقِ التلقينِ والتلَقِّي عن الأساتيذِ والْمُثَافَنَةِ للأشياخِ، والأخْذِ من أفواهِ الرجالِ لا من الصحُفِ وبُطونِ الكُتُبِ والأَوَّلُ من بابِ أَخْذِ النَّسيبِ عن النَّسيبِ الناطقِ، وهو الْمُعَلِّمُ، أمَّا الثاني عن الكتابِ، فهو جَمادٌ، فأَنَّى له اتِّصَالُ النَّسَبِ؟.
وقد قيلَ: (مَن دَخَلَ في العِلْمِ وَحْدَه، خَرَجَ وَحْدَه) أي: مَن دَخَلَ في طَلَبِ العِلْمِ بلا شيخٍ، خَرَجَ منه بلا عِلْمٍ، إذ العلْمُ صَنعةٌ، وكلُّ صَنعةٍ تَحتاجُ إلى صانعٍ، فلا بُدَّ إِذَنْ لتَعَلُّمِها من مُعَلِّمِها الحاذِقِ.
وهذا يَكادُ يكونُ مَحَلَّ إجماعِ كلمةٍ من أهلِ العلمِ؛ إلا مَن شَذَّ مِثلَ: عَلِيِّ بنِ رِضوانَ الْمِصرِيِّ الطبيبِ (م سنة 453 هـ) وقد رَدَّ عليه علماءُ عَصْرِه ومَن بَعْدَهم.
قالَ الحافظُ الذهبيُّ رَحِمَه اللهُ تعالى في تَرجمتِه له:
(ولم يكنْ له شيخٌ، بل اشْتَغَلَ بالأَخْذِ عن الكُتُبِ، وصَنَّفَ كتابًا في تَحصيلِ الصناعةِ من الكتُبِ، وأنها أَوْفَقُ من الْمُعَلِّمِينَ وهذا غَلَطٌ) اهـ.
وقد بَسَطَ الصَّفَدِيُّ في (الوافِي) الردَّ عليه، وعنه الزَّبِيدِيِّ في (شرْحِ الإحياءِ) عن عددٍ من العُلماءِ مُعَلِّلِينَ له بعِدَّةِ عِلَلٍ؛ منها ما قالَه ابنُ بَطْلانَ في الردِّ عليه:
(السادسةُ: يُوجَدُ في الكتابِ أشياءُ تَصُدُّ عن العلْمِ، وهي مَعدومةٌ عندَ المُُُعَلِّمِ وهي التصحيفُ العارضُ من اشتباهِ الحروفِ مع عَدَمِ اللفظِ، والغلَطِ بزَوَغَانِ البصَرِ، وقِلَّةِ الْخِبرةِ بالإعرابِ أو فَسادِ الموجودِ منه وإصلاحِ الكتابِ وكتابةِ ما لا يُقْرَأُ وقِراءةِ ما لا يُكْتَبُ ومَذهبِ صاحبِ الكِتابِ وسُقْمِ النَّسْخِ ورَداءةِ النقْلِ، وإدماجِ القارئِ مواضِعَ الْمَقاطِعِ وخلْطِ مَبادئِ التعليمِ وذِكْرِ ألفاظٍ مُصْطَلَحٍ عليها في تلك الصناعةِ وألفاظٍ يُونانِيَّةٍ لم يُخَرِّجْها الناقِلُ من اللغةِ؛ كالنَّوْروسِ، فهذه كلُّها مُعَوِّقَةٌ عن العِلْمِ وقد استراحَ المتعلِّمُ من تَكَلُّفِها عندَ قراءتِه على الْمُعَلِّمِ، وإذا كان الأمْرُ على هذه الصورةِ فالقراءةُ على العُلماءِ أَجْدَى وأَفْضَلُ من قراءةِ الإنسانِ لنفسِه وهو ما أَرَدْنَا بيانَه ... قالَ الصَّفَدِيُّ: ولهذا قالَ العُلماءُ: لا تَأْخُذ العِلْمَ من صَحَفِيٍّ ولا من مُصْحَفِيٍّ؛ يعني: لا تَقرأ القُرآنَ على مَن قَرأَ من الْمُصْحَفِ ولا الحديثَ وغيرَه على مَن أَخَذَ ذلك من الصُّحُفِ ... ) اهـ.
والدليلُ المادِّيُّ القائمُ على بُطلانِ نَظرةِ ابنِ رِضوانَ أنك تَرَى آلافَ التراجِمِ والسِّيَرِ على اختلافِ الأزمانِ ومَرِّ الأعصارِ وتَنَوُّعِ المعارِفِ، مشْحُونةً بتَسميةِ الشيوخِ والتلاميذِ ومُسْتَقِلٌّ من ذلك ومُسْتَكْثِرٌ، وانْظُرْ شَذَرَةً من المكْثِرِينَ من الشيوخِ حتى بَلَغَ بعضُهم الأُلوفَ كما في (الْعُزَّابِ) من (الإسفارِ) لرَاقِمِه.