فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 42

الفصلُ الثالثُ

أدَبُ الطالبِ مع شيخِه

18 -رعايةُ حُرْمَةِ الشيخِ:

بما أنَّ العِلْمَ لا يُؤْخَذُ ابتداءً من الكُتُبِ بل لا بُدَّ من شيخٍ تُتْقِنُ عليه مفاتيحَ الطلَبِ؛ لتَأْمَنَ من العِثارِ والزَّلَلِ؛ فعليك إذنْ بالتَّحَلِّي برعايةِ حُرْمَتِه؛ فإنَّ ذلك عُنوانُ النجاحِ والفلاحِ والتحصيلِ والتوفيقِ، فليكنْ شيخُك مَحَلَّ إجلالٍ منك وإكرامٍ وتقديرٍ وتَلَطُّفٍ، فخُذْ بِمَجَامِعِ الآدابِ مع شيخِك في جلوسِك معه، والتحَدُّثِ إليه، وحسْنِ السؤالِ والاستماعِ، وحُسْنِ الأدَبِ في تصَفُّحِ الكتابِ أمامَه ومع الكتابِ وتَرْكِ التطاوُلِ والمماراةِ أمامَه، وعدَمِ التقَدُّمِ عليه بكلامٍ أو مَسيرٍ أو إكثارِ الكلامِ عندَه، أو مُداخَلَتِه في حديثِه ودَرْسِه بكلامٍ منك، أو الإلحاحِ عليه في جَوابٍ؛ متَجَنِّبًا الإكثارَ من السؤالِ، لا سِيَّمَا مع شُهودِ الملإِ، فإنَّ هذا يُوجِبُ لك الغُرورَ وله الْمَلَلَ.

ولا تُنادِيهِ باسْمِه مُجَرَّدًا، أو مع لَقَبِه كقولِك: يا شيخَ فلان! بل قلْ: يا شيخي! أو يا شَيْخَنَا! فلا تُسَمِّه؛ فإنه أَرْفَعُ في الأَدَبِ، ولا تُخاطِبْهُ بتاءِ الخِطابِ، أو تُنادِيهِ من بُعْدٍ من غيرِ اضطرارٍ.

وانْظُرْ ما ذَكَرَه اللهُ تعالى من الدَّلالةِ على الأَدَبِ مع مُعَلِّمِ الناسِ الخيرَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قولِه: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا ... } الآيةُ.

وكما لا يَلِيقُ أن تَقولَ لوالِدِك ذي الأُبُوَّةِ الطينيَّةِ: (يا فلانُ) أو: (يا وَالِدِي فلان) فلا يَجْمُلُ بك مع شيخِك.

والتَزِمْ تَوقيرَ المجلِسِ وإظهارَ السرورِ من الدَّرْسِ والإفادةِ به: وإذا بدا لك خطأٌ من الشيخِ، أو وَهْمٌ فلا يُسْقِطُه ذلك من عَيْنِكَ فإنه سَبَبٌ لِحِرْمَانِكَ من عِلْمِه، ومَن ذا الذي يَنْجُو من الخطأِ سالِمًا؟.

واحْذَرْ أن تُمارِسَ معه ما يُضْجِرُه ومنه ما يُسَمِّيهِ الْمُوَلَّدُون: (حربَ الأعصابِ) بمعنى: امتحانِ الشيخِ على القُدرةِ العِلمِيَّةِ والتَّحَمُّلِ.

وإذا بَدَا لك الانتقالُ إلى شيخٍ آخَرَ؛ فاستأْذِنْه بذلك؛ فإنه أَدْعَى لِحُرْمَتِه وأَمْلَكُ لقَلْبِه في مَحَبَّتِك والْعَطْفِ عليكَ.

إلى آخِرِ جُملةٍ من الآدابِ يَعْرِفُها بالطبْعِ كلُّ مُوَفَّقٍ مُبارَكٍ وفاءً لحقِّ شيخِك في (أُبُوَّتِه الدينيَّةِ) أو ما تُسَمِّيه بعضُ القوانينِ باسمِ (الرَّضاعِ الأدبيِّ) وتَسميةُ بعضِ العُلماءِ له (الأبُوَّةَ الدينيَّةَ) أَلْيَقُ؛ وتَرْكُه أَنْسَبُ.

واعْلَمْ أنه بِقَدْرِ رِعايةِ حُرْمَتِه يكونُ النجاحُ والفلاحُ، وبقَدْرِ الْفَوْتِ يكونُ من عَلاماتِ الإخْفَاقِ.

تَنبيهٌ مُهِمٌّ:

أُعيذُك باللهِ من صَنيعِ الأعاجِمِ، والطُّرُقِيَّةِ، والْمُبتدِعَةِ الْخَلَفِيَّةِ، من الْخُضوعِ الخارِجِ عن آدابِ الشرْعِ، من لَحْسِ الأيدِي، وتَقبيلِ الأكتافِ والقبْضِ على اليمينِ باليمينِ والشمالِ عندَ السلامِ؛ كحالِ تَوَدُّدِ الكِبارِ للأَطفالِ، والانحناءِ عندَ السلامِ، واستعمالِ الألفاظِ الرَّخوةِ المتخاذِلَةِ: سَيِّدِي، مَوْلَاي، ونحوِها من أَلفاظِ الْخَدَمِ والعَبيدِ.

وانْظُرْ ما يَقولُه العَلَّامَةُ السَّلفيُّ الشيخُ محمَّدٌ البشيرُ الإبراهيميُّ الجزائريُّ (م سنةَ 1380 هـ) رَحِمَه اللهُ تعالى في (البصائِرِ) ؛ فإنه فائقُ السِّيَاقِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت