فهرس الكتاب
وعن مالِكٍ رَحِمَه اللهُ تعالى قالَ: (لا يُؤْخَذُ العِلْمُ عن أربعةٍ: سفيهٌ يُعْلِنُ السَّفَهَ وإن كان أَرْوَى الناسِ، وصاحبُ بِدعةٍ يَدْعُو إلى هَواهُ، ومَن يَكْذِبُ في حديثِ الناسِ، وإن كنتُ لا أتَّهِمُه في الحديثِ، وصالحٍ عابدٍ فاضلٍ إذا كان لا يَحْفَظُ ما يُحَدِّثُ به) .
فيا أيُّها الطالِبُ! إذا كنتَ في السَّعةِ والاختيارِ؛ فلا تَأْخُذْ عن مُبْتَدِعٍ: رافِضِيٍّ أو خارجيٍّ أو مُرْجِئٍ أو قَدَرِيٍّ أو قُبُورِيٍّ. . . وهكذا؛ فإنك لن تَبْلُغَ مَبْلَغَ الرجالِ - صحيحَ العَقْدِ في الدينِ مَتينَ الاتِّصالِ باللهِ صحيحَ النظَرِ تَقْفُو الأَثَرَ إلا بِهَجْرِ المبْتَدِعَةِ وبِدَعِهِم.
وكُتُبُ السِّيَرِ والاعتصامِ بالسُّنَّةِ حافلةٌ بإجهازِ أهلِ السُّنَّةِ على البِدْعَةِ ومُنابَذَةِ الْمُبْتَدِعَةِ والابتعادِ عنهم كما يَبْتَعِدُ السليمُ عن الأجْرَبِ المريضِ ولهم قِصَصٌ وواقعاتٌ يَطولُ شَرْحُها لكن يَطيبُ لي الإشارةُ إلى رُؤوسِ الْمُقَيَّدَاتِ فيها:
فقد كان السلَفُ رَحِمَهم اللهُ تعالى يَحتسِبونَ الاستخفافَ بهم وتَحقيرَهم ورَفْضَ المبتدِعِ وبِدْعَتَهُ ويُحَذِّرُون من مُخالَطَتِهم ومُشاوَرَتِهم ومُؤاكَلَتِهم فلا تَتَوَارَى نارُ سُنِّيٍّ ومُبتدِعٍ.
وكان من السلَفِ مَن لا يُصَلِّي على جَنازةِ مُبْتَدِعٍ، فيَنصرِفُ وقد شُوهِدَ من العَلَّامَةِ الشيخِ محمَّدِ بنِ إبراهيمَ (م سنة 1389 هـ) رَحِمَه اللهُ تعالى، انصرافَه عن الصلاةِ على مُبْتَدِعٍ.
وكان من السلَفِ مَن يَنْهَى عن الصلاةِ خَلْفَهم ويَنْهَى عن حكايةِ بِدَعِهم؛ لأنَّ القلوبَ ضَعيفةٌ والشُّبَهَ خَطَّافَةٌ.
وكان سهْلُ بنُ عبدِ اللهِ التُّسْتَرِيُّ لا يَرَى إباحةَ الأَكْلِ من الْمَيْتَةِ للمبتدِعِ عندَ الاضطرارِ؛ لأنه باغٍ لقولِ اللهِ تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ ... } الآيةَ. فهو باغٍ ببِدْعَتِه.
وكانوا يَطْرُدُونَهم من مَجالسِهم؛ كما في قِصَّةِ الإمامِ مالِكٍ رَحِمَه اللهُ تعالى مع مَن سأَلَه عن كيْفِيَّةِ الاستواءِ وفيه بَعْدَ جوابِه المشهورِ: (أَظُنُّكَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ) وأَمَرَ به فأُخْرِجَ.
وأخبارُ السلَفِ مُتكاثِرَةٌ في النُّفْرَةِ من المبتَدِعَةِ وهَجْرِهم حَذَرًا من شَرِّهم وتَحجيمًا لانتشارِ بِدَعِهم وكَسْرًا لنفوسِهم حتى تَضْعُفَ عن نَشْرِ البِدَعِ، ولأنَّ في مُعاشَرَةِ السُّنِّيِّ للمُبتدِعِ تَزكيةً له لدَى الْمُبْتَدِئِ والعامِّيِّ - والعامِّيُّ مُشْتَقٌّ من العَمَى، فهو بِيَدِ مَن يَقودُه غالبًا -.
ونَرَى في كتابِ المصطَلَحِ، وآدابِ الطلَبِ، وأحكامِ الْجَرْحِ والتعديلِ: الأخبارَ في هذا، فيا أيُّها الطالِبُ! كن سَلَفِيًّا على الْجَادَّةِ، واحْذَر الْمُبْتَدِعَةَ أن يَفتِنُوكَ فإنهم يُوَظِّفُون للاقتناصِ والْمُخاتَلَةِ سُبُلًا، يَفْتَعِلُون تَعبيدَها بالكلامِ المعسولِ - وهو: (عَسَلٌ) مَقلوبٌ - وهُطولِ الدَّمعةِ، وحُسْنِ البَزَّةِ، والإغراءِ بالْخَيالاتِ، والإدهاشِ بالكَرَامَاتِ، ولَحْسِ الأَيْدِي، وتَقبيلِ الأَكْتَافِ
وما وراءَ ذلك إلا وَحَمُ البِدعةِ، ورَهَجُ الفِتنةِ، يَغْرِسُها في فؤادِك ويَعْتَمِلُكَ في شِرَاكِه، فواللهِ لا يَصْلُحُ الأَعْمَى لقِيادةِ العِميانِ وإرشادِهم.
أمَّا الأَخْذُ عن عُلماءِ السنَّةِ فالْعَق العَسَلَ ولا تَسَلْ.
وفَّقَكَ اللهُ لرُشْدِكَ؛ لتَنْهَلَ من مِيراثِ النُّبُوَّةِ صافيًا، وإلا، فلْيَبْكِ على الدِّينِ مَن كان باكيًا.
وما ذَكَرْتُه لك هو في حالِ السَّعةِ والاختيارِ، أمَّا إن كنتَ في دِراسةٍ نِظاميَّةٍ لا خِيارَ لك، فاحْذَرْ منه، مع الاستعاذةِ من شَرِّه؛ باليَقَظَةِ من دَسائسِه على حَدِّ قولِهم: (اجْنِ الثِّمَارَ وأَلْقِ الخشَبَةَ في النارِ) ولا تَتخاذَلْ عن الطلَبِ، فأَخْشَى أن يكونَ هذا من التَّوَلِّي يومَ الزَّحْفِ، فما عليك إلا أن تَتَبَيَّنَ أَمْرَه وتَتَّقِيَ شَرَّه وتَكْشِفَ سِتْرَهُ.