فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 42

ومن النُّتَفِ الطريفةِ أنَّ أبا عبدِ الرحمنِ الْمُقْرِئَ حَدَّثَ عن مُرْجِئٍ، فقيلَ له: لِمَ تُحَدِّثُ عن مُرْجِئٍ؟ فقالَ: (أَبيعُكم اللحمَ بالعِظامِ) .

فالْمُقْرِئُ رَحِمَه اللهُ تعالى حَدَّثَ بلا غَرَرٍ ولا جَهالةٍ إذ بَيَّن فقالَ: (وكان مُرْجِئًا) .

وما سَطَّرْتُه لك هنا هو من قَواعدِ مُعْتَقَدِكَ؛ عقيدةِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ؛ ومنه ما في (العَقيدةِ السلَفِيَّةِ) لشيخِ الإسلامِ أبي عثمانَ إسماعيلَ بنِ عبدِ الرحمنِ الصابونيِّ (م سنةَ 449 هـ) ؛ قالَ رَحِمَه اللهُ تعالى: (ويَبْغَضُونَ أهْلَ البِدَعِ الذين أَحْدَثوا في الدِّينِ ما ليس منه، ولا يُحِبُّونَهُم، ولا يَصْحَبُونَهم، ولا يَسْمَعُون كلامَهم، ولا يُجالسونَهم ولا يُجادلونَهم في الدِّينِ، ولا يُناظِرُونَهم، ويَرَوْنَ صَوْنَ آذانِهم عن سَماعِ أباطيلِهم التي إذا مَرَّتْ بالآذانِ، وقَرَّتْ في القلوبِ، ضَرَّتْ، وجَرَتْ إليها من الوَساوِسِ والْخَطَراتِ الفاسدةِ ما جَرَتْ، وفيه أَنْزَلَ اللهُ عزَّ وجلَّ قولَه: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} ) اهـ.

وعن سليمانَ بنِ يَسَارٍ أنَّ رَجُلًا يقالُ له: صَبِيغٌ، قَدِمَ المدينةَ، فجَعَلَ يَسألُ عن مُتشابِهِ القرآنِ؟ فأَرْسَلَ إليه عمرُ رَضِي اللهُ عَنْهُ وقد أَعَدَّ له عَراجينَ النخْلِ، فقالَ: مَن أنت؟ قال: أنا عبدُ اللهِ صَبِيغٌ، فأَخَذَ عُرجونًا من تلك العَراجينِ فضَرَبَه حتى دَمِي رأسُه، ثم تَرَكَه حتى برَأَ، ثم عادَ، ثم تَرَكَه حتى بَرَأَ، فدَعَى به ليَعودَ، فقالَ: إن كنتَ تُريدُ قَتْلِي، فاقْتُلْنِي قَتْلًا جَميلًا فأَذِنَ له إلى أرْضِه، وكتَبَ إلى أبي موسى الأشعريِّ باليَمَنِ: لا يُجالِسْهُ أحَدٌ من المسلمينَ.

رواه الدارِمِيُّ.

وقيلَ: كان مُتَّهَمًا برأيِ الخوارجِ. والنوويُّ رَحِمَه اللهُ تعالى قالَ في كتابِ (الأذكارِ) : (بابُ: التَّبَرِّي من أهلِ البِدَعِ والمعاصِي) .

وذَكَرَ حديثَ أبي موسى رَضِي اللهُ عَنْهُ: (أنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَرِئَ من الصالِقَةِ، والحالِقَةِ، والشاقَّةِ) . متَّفَقٌ عليه.

وعن ابنِ عمرَ بَراءَتُه من القَدَرِيَّةِ. رواه مسْلِمٌ.

والأمرُ في هَجْرِ المبتدِعِ يَنْبَنِي على مُراعاةِ المصالِحِ وتَكثيرِها ودَفْعِ الْمَفاسِدِ وتَقْلِيلِها، وعلى هذا تَتَنَزَّلُ المشروعيَّةُ من عَدَمِها؛ كما حَرَّرَه شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رَحِمَه اللهُ تعالى في مَوَاضِعَ.

والمبتدِعَةُ إنما يَكْثُرون ويَظْهَرون؛ إذا قَلَّ العِلْمُ، وفَشَا الْجَهْلُ، وفيهم يقولُ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحِمَهُ اللهُ تعالى: (فإنَّ هذا الصِّنْفَ يَكْثُرُون ويَظهرونَ إذا كَثُرَت الجاهليَّةُ وأَهْلُها، ولم يكنْ هناك من أَهْلِ العلْمِ بالنُّبُوَّةِ والمتابَعَةِ لها مَن يُظْهِرُ أنوارَها الماحيةَ لظُلمةِ الضَّلالِ، ويَكشِفُ ما في خِلافِها من الإِفْكِ والشرْكِ والْمُحَالِ) اهـ.

فإذا اشْتَدَّ ساعِدُك في العِلْمِ، فاقْمَعْ المبتدِعَ وبِدعتَه بلسانِ الْحُجَّةِ والبيانِ، والسلامُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت