فهرس الكتاب
الفصلُ الرابعُ
أدَبُ الزَّمَالةِ
23 -احْذَرْ قَرينَ السَّوءِ:
كما أنَّ العِرْقَ دَسَّاسٌ فإنَّ (أَدَبَ السَّوءِ دَسَّاسٌ) إذ الطَّبيعةُ نَقَّالَةٌ، والطِّباعُ سَرَّاقَةٌ، والناسُ كأسرابِ الْقَطَا مَجْبولون على تَشَبُّهِ بعضِهم ببعضٍ، فاحْذَرْ مُعاشَرَةَ مَن كان كذلك؛ فإنه العَطَبُ، (والدفْعُ أسْهَلُ من الرفْعِ) .
وعليه فتَخَّير للزَّمالةِ والصداقةِ مَن يُعينُك على مَطْلَبِكَ، ويُقَرِّبُك إلى رَبِّكَ، ويُوافِقُكَ على شَريفِ غَرَضِكَ ومَقْصِدِكَ، وخُذْ تَقسيمَ الصديقِ في أَدَقِّ الْمَعايِيرِ:
صديقُ مَنْفَعَةٍ.
صديقُ لَذَّةٍ.
صديقُ فَضيلةٍ.
فالأَوَّلان مُنقَطِعان بانْقِطاعِ مُوجِبِهما؛ الْمَنْفَعَةِ في الأَوَّلِ، واللَّذَّةِ في الثاني.
وأمَّا الثالثُ فالتعويلُ عليه، وهو الذي باعِثُ صداقتِه تَبادُلُ الاعتقادِ في رُسوخِ الفَضائلِ لدَى كلٍّ منهما.
وصديقُ الفَضيلةِ هذا (عُمْلَةٌ صَعبةٌ) يَعِزُّ الْحُصولُ عليها.
ومن نَفيسِ كلامِ هِشامِ بنِ عبدِ الملِكِ (م سنةَ 125 هـ) قولُه: (ما بَقِيَ من لَذَّاتِ الدنيا شيءٌ إلا أخٌ أَرْفَعُ مَؤُونَةَ التحَفُّظِ بَيْنِي وبَيْنَهُ) اهـ.
ومن لَطيفِ ما يُقَيَّدُ قولُ بعضِهم: (العُزْلَةُ من غيرِ عَيْنِ العِلْمِ زَلَّةٌ، ومن غيرِ زايِ الزُّهْدِ عِلَّةٌ) .