فهرس الكتاب
الفصلُ الخامسُ
آدابُ الطالبِ في حياتِه العِلْمِيَّةِ
24 -كِبَرُ الْهِمَّةِ في العِلْمِ:
من سجايا الإسلامِ التَّحَلِّي بكِبَرِ الْهِمَّةِ؛ مرْكَزِ السالِبِ والموجِبِ في شَخْصِك، الرقيبِ على جوارِحِك، كِبَرُ الْهِمَّةِ يَجْلُبُ لك بإذْنِ اللهِ خَيْرًا غيرَ مَجذوذٍ، لتَرْقَى إلى دَرجاتِ الكَمالِ، فيُجْرِيَ في عُروقِك دَمَ الشَّهَامةِ، والرَّكْضَ في مَيدانِ العِلْمِ والعَمَلِ، فلا يَراكَ الناسُ وَاقِفًا إلا على أبوابِ الفضائلِ ولا باسطًا يَدَيْكَ إلا لِمُهِمَّاتِ الأمورِ.
والتَّحَلِّي بها يَسْلُبُ منك سَفاسِفَ الآمالِ والأعمالِ، ويَجْتَثُّ منك شَجرةَ الذُّلِّ والهوانِ والتمَلُّقِ والْمُداهَنَةِ فَكَبِيرُ الْهِمَّةِ ثابتُ الْجَأْشِ، ولا تُرْهِبُهُ المواقِفُ، وفاقِدُها جَبانٌ رِعديدٌ، تُغْلِقُ فَمَه الفَهَاهَةُ.
ولا تَغْلَطْ فتَخْلِطْ بينَ كِبَرِ الْهِمَّةِ والكِبْرِ؛ فإنَّ بينَهما من الفَرْقِ كما بينَ السماءِ ذاتِ الرَّجْعِ والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ.
كِبَرُ الْهِمَّةِ حِلْيَةُ وَرَثَةِ الأنبياءِ، والكِبْرُ داءُ الْمَرْضَى بعِلَّةِ الْجَبابِرَةِ البُؤَسَاءِ، فيا طالبَ العلْمِ! ارْسُمْ لنفسِكَ كِبَرَ الْهِمَّةِ، ولا تَنْفَلِتْ منه، وقد أَوْمَأَ الشرْعُ إليها في فِقْهِيَّاتٍ تُلابِسُ حياتَك؛ لتكونَ دائمًا على يَقَظَةٍ من اغتنامِها، ومنها إباحةُ التيَمُّمِ للمُكَلَّفِ عندَ فَقْدِ الماءِ وعدَمُ إلزامِه بقَبولِ هِبَةِ ثَمَنِ الماءِ للوُضوءِ؛ لما في ذلك من الْمِنَّةِ التي تَنالُ من الْهِمَّةِ مَنَالًا وعلى هذا فقِسْ، واللهُ أَعْلَمُ.
25 -النَّهْمَةُ في الطَّلَبِ:
إذا عَلِمْتَ الكلمةَ المنسوبةَ إلى الخليفةِ الراشدِ عليِّ بنِ أبي طالِبٍ رَضِي اللهُ عَنْهُ: (قيمةُ كلِّ امرئٍ ما يُحْسِنُه) وقد قِيلَ: ليس كلمةٌ أحَضَّ على طَلَبِ العلْمِ منها؛ فاحْذَرْ غَلَطَ القائلِ: ما تَرَكَ الأَوَّلُ للآخِرِ. وصوابُه: كم تَرَكَ الأَوَّلُ للآخِرِ.
فعليك بالاستكثارِ من مِيراثِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وابْذُل الوُسْعَ في الطلَبِ والتحصيلِ والتدقيقِ، ومَهْمَا بَلَغْتَ في العِلْمِ؛ فتَذَكَّرْ (كم تَرَكَ الأوَّلُ للآخِرِ) .
وفي تَرجمةِ أحمدَ بنِ عبد الجليلِ من (تاريخِ بَغدادَ) للخطيبِ ذِكْرٌ من قصيدةٍ له:
لا يَكونُ السَّرِيُّ مِثْلَ الدَّنِيِّ
لا ولا ذو الذكاءِ مثلَ الغَبِيِّ