فهرس الكتاب
قيمةُ المرءِ كُلَّمَا أَحْسَنَ الْمَرْ
ءُ قضاءً من الإمامِ عَلِيِّ
26 -الرِّحْلَةُ للطَّلَبِ:
(من لم يكنْ رُحْلَةً لن يكونَ رُحَلَةً) فمَن لم يَرْحَلْ في طَلَبِ العلْمِ للبحْثِ عن الشيوخِ، والسياحةِ في الأَخْذِ عنهم؛ فيَبْعُدُ تأَهُّلُه ليُرْحَلَ إليه؛ لأنَّ هؤلاءِ العلماءَ الذين مَضَى وقتٌ في تَعَلُّمِهم وتَعليمِهم، والتَّلَقِّي عنهم: لديهم من التَّحريراتِ والضبْطِ والنِّكاتِ العِلْمِيَّةِ، والتجارُبِ ما يَعِزُّ الوُقوفُ عليه أو على نظائرِه في بُطونِ الأسفارِ.
واحْذَر القُعودَ عن هذا على مَسْلَكِ الْمُتَصَوِّفَةِ البطَّالِينَ، الذين يُفَضِّلُونَ (علْمَ الْخِرَقِ على علْمِ الوَرَقِ) .
وقد قيلَ لبعضِهم: ألا تَرْحَلُ حتى تَسمعَ من عبدِ الرزاقِ؟ فقالَ: ما يَصنَعُ بالسماعِ من عبدِ الرزَّاقِ مَن يَسمَعُ من الْخَلَّاقِ؟!
وقال آخَرُ:
إذا خاطَبُونِي بعِلْمِ الوَرَقِ
برَزْتُ عليهم بعِلْمِ الْخِرَقِ
فاحْذَرْ هؤلاءِ؛ فإنهم لا للإسلامِ نَصَرُوا، ولا للكُفْرِ كَسَرُوا، بل فيهم مَن كان بأسًا وبلاءً على الإسلامِ.
27 -حفْظُ العلْمِ كتابةً:
ابْذُلْ الْجَهْدَ في حِفْظِ العلْمِ (حِفْظَ كتابٍ) ؛ لأنَّ تقييدَ العلْمِ بالكتابةِ أمانٌ من الضياعِ، وقَصْرٌ لمسافةِ البحْثِ عندَ الاحتياجِ، لا سِيَّمَا في مسائلِ العِلْمِ التي تكونُ في غيرِ مَظَانِّها، ومن أَجَلِّ فوائدِه أنه عندَ كِبَرِ السنِّ وضَعْفِ الْقُوَى يكونُ لديكَ مادَّةٌ تَسْتَجِرُّ منها مادَّةً تَكْتُبُ فيها بلا عَناءٍ في البَحْثِ والتَّقَصِّي.
ولذا؛ فاجْعَلْ لك (كُناشًا) أو (مُذَكِّرَةً) لتقييدِ الفوائدِ والفرائدِ والأبحاثِ الْمَنثورةِ في غيرِ مَظَانِّها، وإن اسْتَعْمَلْتَ غُلافَ الكتابِ لتَقييدِ ما فيه من ذلك؛ فحَسَنٌ، ثم تَنْقُلُ ما يَجْتَمِعُ لك بعدُ في مُذَكِّرَةٍ؛ مُرَتِّبًا له على الموضوعاتِ مُقَيِّدًا رأسَ المسألةِ، واسمَ الكتابِ، ورقْمَ الصفحةِ والمجلَّدِ، ثم اكْتُبْ على ما قَيَّدْتَه: (نُقِلَ) ؛ حتى لا يَخْتَلِطَ بما لم يُنْقَلْ كما تَكتُبُ: (بلَغَ صفحةَ كذا) فيما وَصَلْتَ إليه من قراءةِ الكتابِ حتى لا يَفُوتَك ما لم تَبْلُغْه قراءةً.
وللعلماءِ مؤَلَّفَاتٌ عدَّةٌ في هذا؛ منها: (بدائعُ الفوائدِ) لابنِ القَيَّمِ و (خَبايَا الزوايا) للزَّرْكَشيِّ، ومنها: كتابُ (الإغفالِ) ، و (بَقَايا الْخَبَايا) وغيرُها، وعليه فَقَيِّدِ العِلْمَ بالكتابِ لا سِيَّمَا بدائعَ الفوائدِ في غيرِ مَظَانِّها، وخَبَايَا الزوايا في غيرِ مَسَاقِها، ودُرَرًا مَنثورةً تَراهَا وتَسْمَعُها تَخْشَى فَوَاتَها ... وهكذا؛ فإنَّ الْحِفْظَ يَضْعُفُ، والنسيانَ يَعْرِضُ.
قالَ الشعبيُّ: (إذا سَمِعْتَ شيئًا؛ فاكْتُبْهُ ولو في الحائطِ) .
رواه خَيثَمَةُ.