فهرس الكتاب
(وفيه بيانُ أنَّ الفِقْهَ هو الاستنباطُ والاستدراكُ في معاني الكلامِ من طريقِ التَّفَهُّمِ، وفي ضِمْنِه بيانُ وُجوبِ التفَقُّهِ، والبحْثُ على معاني الحديثِ واستخراجُ الْمَكنونِ من سِرِّهِ) اهـ.
وللشيخين؛ شيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميةَ وتِلميذِه ابنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ رَحِمَهما اللهُ تعالى، في ذلك القِدْحُ الْمُعَلَّى، ومَن نَظَرَ في كُتُبِ هذين الإمامينِ؛ سَلَكَ به النَّظَرُ فيها إلى التَّفَقُّهِ طَرِيقًا مُستَقِيمًا.
ومن مَلِيحِ كلامِ ابنِ تَيميةَ رَحِمَه اللهُ تعالى قولُه في مَجْلِسٍ للتَّفَقُّهِ: (أَمَّا بعدُ؛ فقد كُنَّا في مَجلِسِ التَّفَقُّهِ في الدِّينِ، والنظَرِ في مَدارِكِ الأحكامِ المشروعةِ؛ تَصويرًا، وتَقريرًا، وتَأصيلًا، وتَفصيلًا، فوقَعَ الكلامُ في ... فأقولُ: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلا باللهِ، هذا مَبْنِيٌّ على أَصْلٍ وفَصلَيْنِ ... )
واعْلَمْ أَرْشَدَك اللهُ أنَّ بينَ يَدَي التَّفَقُّهِ: (التَّفَكُّرَ) فإنَّ اللهَ - سبحانَه وتعالى - دعا عِبادَه في غيرِ ما آيةٍ من كتابِه إلى التحَرُّكِ بإجالةِ النظَرِ العميقِ في (التَّفَكُّرِ) في مَلكوتِ السماواتِ والأرضِ وإلى إن يُمْعِنَ المرءُ النظَرَ في نفسِه، وما حولَه؛ فَتْحًا للقُوَى العَقليَّةِ على مِصراعَيْهَا، وحتى يَصِلَ إلى تَقويةِ الإيمانِ، وتَعميقِ الأحكامِ والانتصارِ العِلْمِيِّ: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ} .
وعليه فإنَّ (التفَقُّهَ) أبعَدُ مَدًى من (التفَكُّرِ) ؛ إذ هو حَصيلتُه وإنتاجُه؛ وإلا {فَمَا لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} .
لكنَّ هذا التَّفَقُّهَ مَحجوزٌ بالبُرهانِ، مَحجورٌ عن التَّشَهِّي والْهَوَى: {وَلِئْنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} .
فيا أيُّها الطالبُ! تَحَلَّ بالنظَرِ والتفَكُّرِ، والفقْهِ والتفَقُّهِ؛ لعلك أن تَتجاوَزَ من مَرحلةِ الفقيهِ إلى (فقيهِ النفْسِ) كما يقولُ الفُقهاءُ، وهو الذي يُعَلِّقُ الأحكامَ بِمَدارِكِها الشرعيَّةِ، أو (فقيهِ البَدَنِ) كما في اصطلاحِ الْمُحَدِّثِينَ.
فأَجْلِ النظَرَ عندَ الوارداتِ بتَخريجِ الفُروعِ على الأصولِ، وتَمامِ العنايةِ بالقواعدِ والضوابطِ.
وأَجْمِعْ للنَّظَرِ في فَرْعٍ ما بينَ تَتَبُّعِه وإفراغِه في قالَبِ الشريعةِ العامِّ من قواعدِها وأصولِها الْمُطَّرِدَةِ؛ كقواعدِ المصالِحِ، ودفْعِ الضرَرِ والمشَقَّةِ وجَلْبِ التيسيرِ، وسَدِّ بابِ الْحِيَلِ وسَدِّ الذرائعِ.
وهكذا هُدِيتَ لرُشْدِكَ أَبَدًا؛ فإنَّ هذا يُسْعِفُكَ في مَواطِنِ الْمَضايِقِ وعليك بالتَّفَقُّهِ - كما أَسْلَفْتُ - في نصوصِ الشرْعِ، والتبَصُّرِ فيما يَحُفُّ أحوالَ التشريعِ، والتأمُّلِ في مَقاصِدِ الشريعةِ، فإنْ خَلَا فَهْمُك من هذا، أو نَبَا سَمْعُكَ؛ فإنَّ وَقْتَكَ ضائعٌ، وإنَّ اسمَ الْجَهْلِ عليك لواقِعٌ وهذه الْخَلَّةُ بالذاتِ هي التي تُعطيكَ التمييزَ الدقيقَ، والْمِعيارَ الصحيحَ، لِمَدَى التحصيلِ والقُدرةِ على التخريجِ.
فالفقيهُ هو مَن تَعْرِضُ له النازلةُ لا نَصَّ فيها فيَقْتَبِسُ لها حُكْمًا، والبَلاغِيُّ ليس من يَذْكُرُ لك أقسامَها وتَفريعاتِها، لكنه مَن تَسْرِي بَصيرتُه البلاغيَّةُ في كتابِ اللهِ، مَثَلًا، فيُخْرِجُ من مَكنونِ عُلومِه وُجُوهَها وإن كَتَبَ أو خَطَبَ نَظَمَ لك عِقْدَها.
وهكذا في العلومِ كافَّةً.
31 -اللجوءُ إلى اللهِ تعالى في الطَّلَبِ والتحصيلِ:
لا تَفْزَعْ إذا لم يُفْتَحْ لك في علْمٍ من العلومِ؛ فقد تَعاصَتْ بعضُ العُلومِ على بعضِ الأعلامِ المشاهيرِ، ومنهم مَن صَرَّحَ بذلك كما يُعْلَمُ من تَرَاجِمِهم، ومنهم: الأَصْمَعِيُّ في عِلْمِ العَروضِ والرُّهاويُّ المحدِّثُ في الْخَطِّ، وابنُ صالحٍ في الْمَنْطِقِ،