فهرس الكتاب
وأبو مسلِمٍ النحويُّ في عِلْمِ التصريفِ والسيوطيُّ في الْحِسابِ، وأبو عُبيدةَ، ومحمَّدُ بنُ عبدِ الباقي الأنصاريُّ، وأبو الحسَنِ القَطيعيُّ، وأبو زَكَرِيَّا يَحْيَى بنُ زِيادٍ الفَرّاءُ، وأبو حامدٍ الغزاليُّ، خَمْسَتُهُم لم يُفْتَحْ لهم بالنحوِ.
فيا أيُّها الطالِبُ! ضاعِف الرَّغبةَ، وافْزَعْ إلى اللهِ في الدعاءِ واللجوءِ إليه والانكسارِ بينَ يَدَيْهِ.
وكانَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رَحِمَه اللهُ تعالى، كثيرًا ما يَقولُ في دعائِه إذا اسْتَعْصَى عليه تفسيرُ آيةٍ من كتابِ اللهِ تعالى: (اللَّهُمَّ يَا مُعَلِّمَ آدَمَ وإبراهيمَ عَلِّمْنِي، ويا مُفَهِّمَ سليمانَ فَهِّمْنِي. فيَجِدُ الْفَتْحَ في ذلك) .
32 -الأمانةُ العلْمِيَّةُ:
يَجِبُ على طالبِ العلْمِ، فائِقُ التحَلِّي بالأمانةِ العِلْمِيَّةِ، في الطلَبِ والتحَمُّلِ والعمَلِ والبلاغِ، والأداءِ:
(فإنَّ فَلاحَ الأُمَّةِ في صَلاحِ أعمالِها، وصلاحَ أعمالِها في صِحَّةِ عُلُومِها، وصِحَّةَ عُلومِها في أن يكونَ رجالُها أُمناءَ فيما يَرْوُونَ أو يَصِفُونَ، فمَن تَحَدَّثَ في العِلْمِ بغيرِ أمانةٍ؛ فقد مَسَّ العلْمَ بقُرحةٍ ووَضَعَ في سبيلِ فَلاحِ الأُمَّةِ حَجَرَ عَثْرَةٍ) .
لا تَخلُو الطوائفُ المنتمِيَةُ إلى العلومِ من أشخاصٍ لا يَطلبونَ العِلْمَ ليَتَحَلَّوْا بأَسْنَى فضِيلَةٍ، أو ليَنْفَعُوا الناسَ بما عَرَفُوا من حِكمةٍ، وأمثالُ هؤلاءِ لا تَجِدُ الأمانةُ في نفوسِهم مُسْتَقَرًّا، فلا يَتَحَرَّجُون أن يَرْوُوا ما لم يَسْمَعُوا أو يَصِفُوا ما لم يَعْلَمُوا، وهذا ما كان يَدْعُو جهابذةَ أهلِ العلْمِ إلى نَقْدِ الرجالِ، وتَمييزِ مَن يُسْرِفُ في القوْلِ مِمَّنْ يَصوغُه على قَدْرِ ما يَعْلَمُ، حتى أَصْبَحَ طُلَّابُ العِلْمِ على بَصيرةٍ من قِيمةِ ما يَقرؤونَه، فلا تَخْفى عليهم مَنْزِلَتُه، من القطْعِ بصِدقِه أو كَذِبِه، أو رُجحانِ أحدِهما على الآخَرِ، أو احتمالِهما على سواءٍ) اهـ.
33 -الصِّدْقُ:
صِدْقُ اللهجةِ: عُنوانُ الوَقارِ وشَرَفُ النفْسِ، ونقاءُ السَّريرةِ وسُمُوُّ الْهِمَّةِ ورُجحانُ العَقْلِ، ورسولُ الْمَوَدَّةِ من الْخَلْقِ، وسعادةُ الجماعةِ وصِيانةُ الديانةِ، ولهذا كان فَرْضُ عينٍ، فيا خَيْبَةَ مَن فَرَّطَ فيه، ومَن فَعَلَ فقد مَسَّ نفسَه وعِلْمَهُ بأَذًى.
قالَ الأوزاعيُّ رَحِمَه اللهُ تعالى: (تَعَلَّمِ الصدْقَ قبلَ أن تَتَعَلَّمَ العِلْمَ) .
وقالَ وَكيعٌ رَحِمَه اللهُ تعالى: (هذه الصَّنْعَةُ لا يَرتفِعُ فيها إلا صادقٌ) .
فتَعَلَّمْ - رَحِمَكَ اللهُ - الصدْقَ قبلَ أن تَتَعَلَّمَ العلْمَ، والصدْقُ: إلقاءُ الكلامِ على وَجْهٍ مُطابِقٍ للواقِعِ والاعتقادِ، فالصدْقُ من طريقٍ واحدٍ، أمَّا نقيضُه الكَذِبُ فضُروبٌ وألوانٌ ومَسالِكُ وأَوديةٌ، يَجْمَعُها ثلاثةٌ:
كَذِبُ الْمُتَمَلِّقِ: وهو ما يُخالِفُ الواقِعَ والاعتقادَ، كمن يَتَمَلَّقُ لِمَنْ يَعْرِفُه فاسقًا أو مُبْتَدِعًا فيَصِفُه بالاستقامةِ.
وكَذِبُ المنافِقِ: وهو ما يُخالِفُ الاعتقادَ ويطابِقُ الواقعَ كالمنافِقِ يَنْطِقُ بما يقولُه أهلُ السُّنَّةِ والهدايةِ.
وكَذِبُ الغَبِيِّ: بما يُخالِفُ الواقِعَ ويُطابِقُ الاعتقادَ، كمَن يَعتقِدُ صلاحَ صُوفِيٍّ مبتدِعٍ فيَصِفُه بالوَلايةِ.
فالْزَم الْجَادَّةَ (الصدْقَ) ، فلا تَضْغَطْ على عَكَدِ اللسانِ، ولا تَضُمَّ شَفَتَيْكَ، ولا تَفتَحْ فاكَ ناطقًا إلا على حُروفٍ تُعَبِّرُ عن إحساسِك الصادِقِ في الباطِنِ؛ كالحُبِّ والبُغْضِ، أو إحساسِك في الظاهِرِ؛ كالذي تُدْرِكُه الحواسُّ الخمْسُ: السمْعُ، البَصَرُ، الشمُّ، الذَّوْقُ، اللمْسُ.
فالصادقُ لا يقولُ: (أَحْبَبْتُكَ) وهو مُبْغِضٌ، ولا يقولُ: (سَمِعْتُ) وهو لم يَسْمَعْ، وهكذا.