فهرس الكتاب
واحْذَرْ أن تَحومَ حولَك الظنونُ، فتَخونَك العزيمةُ في صِدْقِ اللهجةِ، فتُسَجَّلَ في قائمةِ الكذابينَ.
وطريقُ الضَّمانةِ لهذا - إذا نَازَعَتْكَ نفسُك بكلامٍ غيرِ صادقٍ فيه: أن تَقْهَرَهَا بذِكْرِ مَنزِلَةِ الصدْقِ وشَرَفِه ورَذيلةِ الكَذِبِ ودَرَكِه، وأنَّ الكَاذِبَ عن قريبٍ يَنْكَشِفُ.
واستَعِنْ باللهِ ولا تَعْجِزَنَّ.
ولا تَفْتَحْ لنفسِك سابلةَ الْمَعارِيضِ في غيرِ ما حَصَرَه الشرْعُ.
فيا طالبَ العلْمِ! احْذَرْ أن تَمْرُقَ من الصدْقِ إلى الْمَعارِيضِ فالْكَذِبِ، وأَسوأُ مَرَامِي هذا الْمُروقِ (الكَذِبُ في العلمِ) ؛ لداءِ مُنافَسَةِ الأقرانِ وطَيَرانِ السُّمعةِ في الآفاقِ.
ومَن تَطَلَّعَ إلى سُمْعَةٍ فوقَ مَنْزِلَتِه؛ فلْيَعْلَمْ أنَّ في الْمِرصادِ رِجالًا يَحْمِلون بصائرَ نافذةً، وأقلامًا ناقدةً، فيَزِنُونَ السُّمعةَ بالأَثَرِ، فتَتِمُّ تَعريتُك عن ثلاثةِ معانٍ:
فَقْدُ الثقةِ من القلوبِ.
ذَهابُ عِلْمِكَ وانحسارُ القَبولِ.
أن لا تُصَدَّقَ ولو صَدَقْتَ.
وبالجملةِ؛ فمَن يَحترِفْ زُخرُفَ القولِ؛ فهو أَخُو الساحرِ، ولا يُفْلِحُ الساحرُ حيث أَتَى، واللهُ أَعْلَمُ.
34 -جُنَّةُ طالِبِ العلْمِ:
جُنَّةُ العالِمِ (لا أَدْرِي) ويَهْتِكُ حِجابَه الاستنكافُ منها، وقولُه: يُقالُ
وعليه؛ فإن كان نِصْفُ العلْمِ (لا أَدْرِي) ؛ فنِصْفُ الجهْلِ (يُقالُ) و (أَظُنُّ) .
35 -المحافَظَةُ على رأسِ مالِك (ساعاتِ عُمُرِك) :
الوقتَ الوقتَ للتحصيلِ، فكن حِلْفَ عمَلٍ لا حِلْفَ بَطالةٍ وبَطَرٍ، وحِلْسَ مَعْمَلٍ لا حِلْسَ تَلَهٍّ وسَمَرٍ، فالْحِفْظُ على الوَقْتِ؛ بالجِدِّ والاجتهادِ ومُلازَمَةِ الطلبِّ، ومُثافَنَةِ الأشياخِ، والاشتغالِ بالعلْمِ قراءةً وإقراءً ومطالَعَةً وتَدَبُّرًا وحِفْظًا وبَحْثًا، لا سِيَّمَا في أوقاتِ شرْخِ الشبابِ، ومُقْتَبَلِ العُمْرِ، ومَعْدِنِ العافيةِ، فاغْتَنِمْ هذه الفرصةَ الغاليةَ، لتنالَ رُتَبَ العلْمِ العاليةَ؛ فإنها (وقتُ جَمْعِ القلبِ، واجتماعِ الفِكْرِ) ؛ لقِلَّةِ الشواغِلِ والصوارِفِ عن التزاماتِ الحياةِ والتَّرَؤُّسِ، ولِخِفَّةِ الظَّهْرِ والعِيالِ:
ما للمُعيلِ وللعوالِي إنما
يَسْعَى إليهنَّ الفريدُ الفارِدُ
وإيَّاك وتأميرَ التسويفِ على نفسِك؛ فلا تُسَوِّفْ لنفسِكَ بعدَ الفراغِ من كذا؛ وبعدَ (التقاعُدِ) من العَمَلِ هذا ... وهكذا، بل البِدارَ قبلَ أن يَصْدُقَ عليك قولُ أبي الطَّحَّانِ القَيْنيِّ:
حَنَتْنِي حانياتُ الدهْرِ حَتَّى