الفصلُ الأوَّلُ:
آدابُ الطالبِ في نفسِه
العلْمُ عِبادةٌ:
أصلُ الأصولِ في هذه (الْحِلْيَةِ) ، بل ولكلِّ أمْرٍ مَطلوبٍ عِلْمُك بأنَّ العِلْمَ عِبادةٌ، قالَ بعضُ العُلماءِ: (العِلْمُ صلاةُ السِّرِّ، وعبادةُ القَلْبِ)
وعليه؛ فإنَّ شَرْطَ العِبادةِ:
إخلاصُ النِّيَّةِ للهِ سبحانَه وتعالى، لقولِه:
{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ ... } الآيةَ.
وفي الحديثِ الفَرْدِ المشهورِ عن أميرِ المؤمنينَ عمرَ بنِ الْخَطَّابِ رَضِي اللهُ عَنْهُ أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ... ) )الحديثَ.
فإنْ فَقَدَ العِلْمُ إخلاصَ النِّيَّةِ، انْتَقَلَ من أَفْضَلِ الطاعاتِ إلى أَحَطِّ المخالَفاتِ ولا شيءَ يَحْطِمُ العِلْمَ مثلُ الرياءِ: رياءُ شِرْكٍ، أو رِياءُ إخلاصٍ ومِثلُ التسميعِ، بأن يَقولَ مُسَمِّعًا: عَلِمْتُ وحَفِظْتُ.
وعليه فالْتَزِم التَّخَلُّصَ من كلِّ ما يَشوبُ نِيَّتَكَ في صِدْقِ الطلَبِ كحبِّ الظهورِ، والتفوُّقِ على الأقرانِ، وجَعْلِه سُلَّمًا لأغراضٍ وأعراضٍ من جاهٍ أو مالٍ أو تعظيمٍ أو سُمْعَةٍ أو طَلَبِ مَحْمَدَةٍ أو صَرْفِ وُجوهِ الناسِ إليك، فإنَّ هذه وأَمثالَها إذا شَابَت النِّيَّةَ أَفْسَدَتْها وذَهَبَتْ بَرَكَةُ العلْمِ ولهذا يَتَعَيَّنُ عليك أن تَحْمِيَ نِيَّتَكَ من شَوْبِ الإرادةِ لغيرِ اللهِ تعالى، بل وتَحْمِي الْحِمَى.
وللعُلماءِ في هذا أقوالٌ ومَوقفٌ بَيَّنْتُ طَرَفًا منها في الْمَبْحَثِ الأَوَّلِ من كتابِ (التعالُمِ) ويُزادُ عليه نَهْيُ العلماءِ عن (الطَّبُولِيَّاتِ) وهي المسائلُ التي يُرادُ بها الشُّهْرَةُ.
وقد قيلَ: (زَلَّةُ العالِمِ مَضروبٌ لها الطَّبْلُ)