فهرس الكتاب
ورووا أن في هذا القرن إلى سنة المائة من الهجرة لم يأمر أحد من الخلفاء الراشدين أو الخلفاء الأمويين برواية أحاديث أو كتابة أحاديث. فلو أن مسلما اليوم قال للناس: أنا على دين عمر بن الخطاب ــ رضي الله عنه ـــ فهل يجرؤ إنسان أن يقول له: لست من خيار المسلمين؟ لا. لن يجرؤ. لقوله صلى الله عليه وسلم: (( أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ) ).
وعلى ما رواه المحدثون في كتبهم. فإن خلق القرآن أو قدمه , ليس هو الدافع للمأمون على قتل المحدثين وسجنهم وضربهم. بل الدافع هو أنهم كانوا قد رووا أحاديث تبطل أحكام القرآن التشريعية والعقائدية.
ففي كتب المحدثين: واستمرت المحنة إلى أن مات (( المعتصم ) )سنة 227 ه ولما تولى ابنه (( الواثق ) )الخلافة أحيا الفتنة وأقام سوق المحنة. وفي سنة 231 هـ أصدر أمره إلى أمير (( البصرة ) )بامتحان الأئمة المؤذنين بخلق القرآن. وأظهر الغلظة لمن يقول بخلاف رأيه. بل قتل في ذلك بعض أهل الحديث.
ولما تولي (( المتوكل على الله ) )ابن (( المعتصم ) )الخلافة بعد أخيه (( الواثق ) )سنة 232 هـ أظهر ميلا عظيما إلى السنة , فرفع المحنة. وكتب بذلك إلى الأفاق ,واستقدم المحدثين إلى (( سامراء ) )وأجزل عطاياهم و أكرمهم وأمرهم بأن يحدثوا بأحاديث الصفات والرؤية. وجلس ابو بكر بن شيبة في جامع (( الرصافة ) )فاجتمعوا إليه نحوا من ثلاثين ألف نفس , وجلس أحوه عثمان في جامع المنصور، فاجتمع إليه أيضا نحوا من ثلاثين ألف نفس (1) أ. هـ.
هذا نص ذكرته من كتب أهل الحديث. ومنه يتبين:
1 ـ أن المأمون ومن بعده لم يعاقبوا أهل الحديث من أجل قدم القرآن أو خلقه. لقوله: (( أظهر ميلا عظيما إلى السنة ) ). ولقوله: (( واستقدم المحدثين ) )ولقوله: (( وجلس , و جلس ) )
ــــــ (1) الحديث والمحدثون ــمحمد محمد أبو زهرة ص 321 ـــ 322.