الصفحة 59 من 70

اولا: يقول مؤلف دلالة الحائرين , المتوفي سنة 603 ه: اعلم أن العلوم الكثيرة التي كانت في ملتنا في تحقيق ه ذه الأمور , تلفت بطول الأزمان , وباستيلاء الملل الجاهلية علينا , وبكون تلك الأمور لم تكن مباحة للناس كلهم. فما كان الشيء المباح للناس كلهم إلا نصوص الكتب فقط. والفقه للروي ما كان مدونا في القديم , للأمر المستفاض في الملة. وهو (( الأمور التي أخبرتك بها شفاها؛ لا يجوز لك أن تكتبها ) )وذلك كان في غاية الحكمة من الشريعة؛ لأنه هرب مما وقع فيه الناس أخيرا. وهو كثرة الآراء وتشعب المذاهب , بسبب إشكالات تقع في عبارة المدون للسهو الذي يصحبه. ويحدث بسببه الانقسام بين الناس ويصيرون فرقا , ويتحدثون في الأعمال الشرعية

واتفق في ابتداء الإسلام أن أصحابنا أخذو عن المعتزلة ما أخذوا. ولم يأخذوا عن الأشعرية شيئا. لأنهم ظنوا ان آراء المعتزلة مقبولة للبرهة عليها .. الخ [ج 1 ص 179 فصل: عا] .

ثانيا: يقول مؤلف دلالة الحائرين: إن رؤية الله ممتنعة , كما يقول المعتزلة. ويذكر الحقيقة والمجاز في الألفاظ الدالة على الرؤية هكذا:

(( اعلم: أن (( رأى ) )و (( نظر ) )و (0 حزى ) ) ثلاثة هذه الألفاظ تقع على رؤية العين , واستعيرت ثلاثتها لإدراك العقل. أما ذلك في (( رأى ) )فمشهور عند الجمهور. قال: (( ونظر فإذا بئر في الصحراء ) ) [تك 29:2] وهذه رؤية عين على الحقيقة لا على المجاز وجاءت (( رأى ) )على المجاز. في: (( وقلبي رأى كثيرا من الحكمة والعلم ) ) [جا 16:1] وهذا إدراك عقلي , لا رؤية عين. وبحسب هذه الاستمارة , تكون كل لفظة جاءت عن الرؤية في الله تعالى مثل قوله: (( رأيت الرب ) ) [مل 22: 19] (( يرى له الرب ) ) [تك 18:1 )) [ورأى الله ذلك انه حسن )) ] تك 1: 10 [ (( أرني مجدك ) )[خر 18:33] (( فرأوا إليه اسرائيل ) ) [خر 10:24] كل ذلك إدراك عقلي , لا رؤية عين بوجه. إذ لا تدرك الأعين إلا جسما, وفي جهة. وبعض أعراضه أيضا. أعني ألوان الجسم وشكله ونحوهما. وكذلك هو تعالى لا يدرك بآلة. وكذلك (( نظر ) )يقع حقيقة على الالتفات بالعين للشيء., مثل (( لا تلتفت إلى ورائك ) ) [تك 17:91] (( فالتفتت امرأته إلى ورائها ) ) [تك 26:19] (( وينظر إلى الأرض ) ) [أش 30:5] واستعير مجازا إلى التفات الذهن و اقباله على تأمل الشيء حتى يدركه. مثل قوله: (( لم ير إثما في يعقوب ) ) [عد 21:23] لأن (( الإثم ) )لا يرى بالعين. وكذلك قوله (( وينظرون إلى موسى ) ) [خر 8:33] قال الحكماء ـــ عليهم السلام ـــ: إن فيه أيضا هذا المعنى , وإنه إخبار عن كونهم يتعقبون أفعاله وأقواله ويأملونها. ومن هذا المعنى قوله: (( انظر إلى السماء ) ) [تك 5:15] لأن ذلك كان رؤيا النبوة.

وعلى هذه الاستعارة. تكون كل لفظة (( انظر ) )التي جاءت في الله تعالى. مثل: (أن ينظر إلى الله ) ) [خر 6:2] _ (( وصورة الرب يعاين ) ) [عد 8:12] و (( وليست تطليق النظر إلى الإصر ) ) [حب 13:1] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت