فهرس الكتاب
وفد نازعهم أصحابنا فيه: إنه يمتنع أن يكون متكلما بكلام قائم بالغير , كما أنه يمتنع أن يكون متحركا بحركه قائمة بالغير وساكنا بسكون قائم بالغير.
وعندي: أن هذه المنازعة ضعيفة. لأن هذه النازعة , إما أن تكون في المعنى , أو في اللفظ. أما المعنى:
فهنا شيئان:
أحدهما: أنه تعالى قادر على خلق هذه الأصوات المقطعة بالتقطيعات المخصوصة في جسم جمادي أو حيواني (1) , وهذا أمرلايمكن النزاع فيه. لأن خلق هذه الأصوات والحروف في الجسم الجمادي أو الحيواني ممكن, والله تعالى قادر على كل الممكنات.
والثاني: إن الله تعالى جعل تلك الأصوات المخصوصة معرفة لكونه تعالى مريدا لبعض الأشياء وكارها لبعضها. وهذا أيضا غير ممتنع. وإذا سلم هذان المقامان عن الطعن , فقد سلمنا لهم صحه كونه تعالى متكلما بالمعنى الذي أرادوه.
وأما المنازعة في اللفظ:
فهو أن فعل هذه الأصوات المخصوصة ــ وهي الحروف المركبة في جسم ــ لغرض ان يعرف غيره ما يريده أو يكرهه فهل يسمى متكلما في اللغة أم لا؟ ومعلوم: أن هذا البحث بحث لغوي محض , وليس بالمعنى به تعلق البته ,
فثبت بما ذكرنا: أنه تعالى متكلما بالمعنى الذي يقوله (( المعتزلة مما نقول به ولا ننكره بوجه من الوجوه. إنما الخلاف بيننا وبينهم في أن نثبت أمرا آخر وراء ذلك , وهم ينكرونه. وسيذكر , أن ذلك الشيء ما هو؟
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نباتي: ب.
وأما (( الكرامية ) )فهم يقولون: إنه تعالى يخلق الأصوات والحروف في ذاته وهذا يرجع إلى أنه تعالى هل يجوز أن يكون محلا للحوادث ام لا؟. وأما أصحابنا. فقد قالو: ثبت أن الكلام القائم بالنفس معنى مغاير للقدر و الإرادات والعلوم والاعتقادات. وندعي أن الباري تعالى موصوف بهذا المعنى وندعي أن هذا المنى قديم , وندعي أنه معنى واحد , وهو مع كونه واحدا , أمر ونهي وخبر واستخبار ونداء.
والمعتزلة والكرامية ينازعون أصحابنا في كل واحد من هذه المواضع الأربعة.
فأولا ينكرون إثبات معنى مغاير للاعتقادات والإرادات. وبتقدير تسليمه , ينكرون كونه موصوفا به وبتقدير تسليمه , ينكرون كونه قديما , وبتقدير تسليمه ينكرون كونه واحدا. فقد تقدم تقديره على أحسن الوجوه.
وأما المقام الثاني: وهو أن الباري تعالى موصوف بكلام النفس. فالذي يدل عليه: ما ثبت عندنا بالتواتر والظاهر (1) , من جميع الأنباء والرسل عليهم السلام , انه تعالى أمر عبادة بكذا ونهاهم عن كذا وأخبرهم ب تكذا, ولما ثبت بالمعجزات صدق الأنبياء والرسل عليهم السلام , وجب القطع بكونه تعالى آمرا وناهيا ومخبرا.
وإذا ثبت هذا القول: هذا الأمر والنهي والخبر , إما أن يكون من باب الألفاظ والعبارات , وإما أن يكون من باب المعاني والحقائق. فإذا كان الأول , فتلك العبارات والألفاظ لا بد وأن تكون دالة على المعاني والمدلولات. ومدلول هذه العبارات في حق الله تعالى إما أن يكون هو الارادات والاعتقادات , وإما أن يكون معنى مغاير لها. لا جائز أن تكون تلك المعاني هي الإرادات
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بالتواتر الظاهر: ب.