فهرس الكتاب
الضارِبِينَ بكلِّ أبيضَ مُخْذِمٍ ... والطاعِنِينَ مَجامِعَ الْأَضْغَان
فإنَّهُ كَنَّى بِمَجامِعِ الأضغانِ عن القلوبِ.
والكنايةُ إنْ كَثُرَتْ فيها الوسائطُ سُمِّيَتْ تَلْويحًا، نحوَ: (هوَ كثيرُ الرَّمادِ) أيْ: كريمٌ؛ فإنَّ كَثْرةَ الرمادِ تَستلزِمُ كثرةَ الإحراقِ، وكثرةَ الإحراقِ تَستلزِمُ كَثرةَ الطبْخِ والخبْزِ، وكثْرتَهُما تَستلزِمُ كثرةَ الآكِلينَ، وهيَ تَستلزِمُ كثرةَ الضِّيفانِ، وكثرةَ الضِّيفانِ تَستلزِمُ الكَرَمَ.
وإنْ قلَّتْ وخَفِيَتْ سُمِّيَتْ رَمْزًا، نحوَ: (هوَ سَمِينٌ رِخْوٌ) أيْ: غَبِيٌّ بَليدٌ.
وإنْ قلَّتْ فيها الوسائطُ أوْ لمْ تكُنْ وَوَضَحَتْ، سُمِّيَتْ إيماءً وإشارةً، نحوَ:
أَوَمَا رأيتَ الْمَجْدَ أَلْقَى رَحْلَه ... في آلِ طَلْحَةَ ثمَّ لم يَتَحَوَّل
كنايةً عنْ كونِهم أَمْجادًا.
وهناكَ نوعٌ من الكنايةِ يَعتَمِدُ في فَهْمِه على السياقِ يُسَمَّى تَعْرِيضًا، وهوَ إمالةُ الكلامِ إلى عُرْضٍ، أيْ: ناحيةٍ، كقولِك لشخْصٍ يَضُرُّ الناسَ: (خيرُ الناسِ مَنْ يَنفعُهم) .
عِلْمُ البديعِ
البديعُ علْمٌ يُعْرَفُ بهِ وُجوهُ تَحسينِ الكلامِ المطابِقِ لِمُقْتَضى الحالِ. وهذه الوجوهُ ما يَرْجِعُ منها إلى تَحسينِ المعنى، يُسَمَّى بالمحسِّناتِ المعنويَّةِ، وما يَرجِعُ منها إلى تَحسينِ اللفظِ، يُسَمَّى بالمحسِّناتِ اللفظيَّةِ.
محسِّناتٌ معنويَّةٌ
1 -التَّوْرِيَةُ: أن يُذْكَرَ لفظٌ لهُ معنيانِ: قريبٌ يَتبادَرُ فَهْمُه من الكلامِ، وبعيدٌ هوَ المرادُ بالإفادةِ لقرينةٍ خفِيَّةٍ، نحوَ: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ} . أرادَ بقولِه: (جَرَحْتُمْ) معناهُ البعيَد، وهوَ ارتكابُ الذنوبِ. وكقولِه:
يا سيِّدًا حازَ لُطْفًا ... لهُ الْبَرَايا عَبِيدُ
أنتَ الْحُسَينُ ولكنْ ... جَفَاكَ فينا يَزِيدُ
معنى (يزيدُ) القريبُ أنَّهُ عَلَمٌ، ومعناه البعيدُ المقصودُ أنَّهُ فِعْلٌ مضارعٌ منْ (زادَ) .
2 -الإِبْهامُ: إيرادُ الكلامِ مُحْتَمِلًا لوَجْهَيْنِ متَضَادَّيْنِ، نحوَ:
بارَكَ اللَّهُ للْحَسَنْ ... ولِبُورانَ في الْخَتَنْ
يا إمامَ الْهُدى ظَفَرْ ... تَ ولكِنْ بنيت مَنْ
فإنَّ قولَه: بنيت مَنْ، يَحتَمِلُ أنْ يكونَ مَدْحًا لعَظَمَةٍ، وأنْ يكونَ ذَمًّا لدَنَاءَةٍ.
3 -التوجيهُ: إفادةُ معنًى بألفاظٍ موضوعةٍ لهُ، ولكنَّها أسماءٌ لناسٍ أوْ غيرِهم، كقولِ بعضِهم يَصِفُ نَهْرًا:
إذا فَاخَرَتْهُ الريحُ وَلَّتَ عَلِيلةً * بأذيالِ كُثْبانِ الثَّرَى تَتَعَسَّرُ
بهِ الفَضْلُ يَبدُو والربيعُ وكمْ غَدَا ... بهِ الرَّوْضُ يَحْيَى وهوَ لا شَكَّ جَعْفَرُ
فالفضْلُ والربيعُ ويَحْيَى وجَعْفَرٌ أسماءُ ناسٍ، وكقولِه: