الكتاب: دلالة الألفاظ
الفصل الاول
نشأة الکلام
لم يظفر بحث من البحوث اللغوية بقدر وفير من التأمل والتفکير مثل الذي ظفرت به نشأة اللغة. و مع هذا فقد کانت النتيجة دائمًا سلبية، ولم يهتد الباحثون بعد کل ما بذلوه من جهد إلي رأي يجمعون عليه أو يطمئنون إليه. ففي کل العصور، و منذ الحضارة الإنسانية القديمة، والعلماء لا ينقطعون عن البحث في نشأة الکلام وأصله، و يفترضون في هذا الفروض، و يحاولون في هذا التجارب، حتي أوائل القرن العشرين حين بدأ العلماء ينصرفون عن هذا النوع من البحث، ويرون أنه من مسائل ماوراء الطبيعة، و أن لاجدوي من الاستمرار فيه.
ولم يقتصر البحث في النشأة اللغوية علي علماء اللغة في العصور القديمة، بل تناوله أيضًا فلاسفة اليونان، والمتکلمون و أهل الأصول من علماء العرب، بل حتي بعض الملوک القدما، فقد روي «هيرودوت» أن أحد الفراعنة المسمي «أبسمتيک» أراد البرهنة علي أن اللغة المصرية القديمة هي أصل اللغات في العالم، فأمر بعزل طفلين من الناس منذ ولادتهما. و کفل لهما الغذاء والکساء في صمت مطلق، بحيث لا يسمعان من الناس کلامًا أو ما يشبه الکلام. ثم انتظر شهورًا حتي سمعهما ينطقان بأول کلمة مسموعة تتکون من أصوات کالتي ينطق بها الانسان، ظنًا منه أن مثل هذه الکلمة لا بد أن تکون إحدي کلمات اللغة المصرية القديمة. ولکن خاب ظنه حين تصادف أن کانت تلک الکلمة « بكوس » Becos التي تعني في « الفريجية » إحدي اللغات القديمة «االحبر»
وهکذا ظهر للملک أن اللغة «الفريجية» أقدم من المصرية.