فهرس الكتاب
وعلينا أن نتذکر مع ما تقدم أن لکل لغة نظاما خاصا في تأليف ألفاظها، فما يشيع في إحداها قد يندر في الأخري. فألفاظ اللغة العربية تتألف من تلک الحروف الهجائية المألوفة لنا؛ ويتکون لتلک الألفاظ العربية نسج خاص، إذا حاد عنه اللفظ قيل إنه غير عربي. وکان القدماء يشعرون بشئ من هذا حين أکد لنا بعضهم أنه لا تجتمع الجيم مع القاف في کلمة عربية مثل «المنجنيق» ولا تجتمع الصاد والجيم في کلمات العرب، فکلمة مثل «صولجان» غربية عن النسج العربي، ولا تکون النون قبل راء إلا في الکلمات الأعجمية مثل «نرجس» ، ولا تکون الزاي بعد دال کما في کلمة «مهندز» الأجنبية التي صارت في لهجاتنا الآن «مهندس» ! ولا تکون الشين بعد لام، ولا تجتمع الباء والسين والذال في کلمة عربية، ولا تعرف لغتنا العربية الزاي، والذال مع السين إلا في تلک الکلمة العربة التي ننطق بها علي صورة (سادج) ، ولا تجتمع الصاد والعلاء، ونذر اجتماع الراء مع اللام ولابد من وجود حرف من حروف الذلافة (م ن ر ل ب ف) في الرباعي والخماسي [1] .
نقرأ مثل هذه الملاحظات السريعة في کتب القدماء، ولکن الأمر أعمق من مثل تلک الملاحظات القليلة، ويحتاج إلي استقراء أوفي وأتم حتي نستطيع الوقوف علي نسج الکلمة العربية. فما يمسکن أن يتألف من حروفنا الهجائية يجاوز 12 مليونًا من الکلمات، قرر هذا الخليل من قبل، ونقر صنعه الآن العمليات الحسابية الحديثة. ولکن المستعمل من الألفاظ لا يکاد يجاوز ثمانين ألفا، فيها يشيع حرف أکثر من حرف، بل قد تختلف فيها نسبة شيوع الحروف علي حسب موضعها من الکلمة. فلو أن اللغة کانت تسمح باستعمال کل تلک الملابين من الألفاظ لأشبهت الحروف بعضها بعضًا في شيوعها، ولايتکون للغة حينئذ نسج خاص تتميز به. ولکن اللغة قد تحيرت مجموعات صوتية معينة هي التي اختصتها بالدلالة، وأهملت الکثرة الغالبة.
(1) شفاء العليل ال...جي صفحة 7.