فهرس الكتاب
من کل ما تقدم يري کيف تسيطر الدلالة الهامشية علي أذهان بعض الناس، وکيف تثير بينهم النزاع والشقاق، وکيف فشلت اللغة في أداء مهمتها حين استعملت في المجان السياسي أو في قض المنازعات القضائية، وکيف يمکن أن تسمي الأشيائ بغير أسمائها، أو يزاد أو ينتقص من دلالاتها. وسواء کمانت تلک الدلالة الهامشية سبيها الهوي والغرض، أو عن عقيدة وإيمان، فهي تتصل اتصالا وثيقًا بما بسميه علماء النفس بالعاطفة.
وقد أحس الفلاسفة قديما و حديثًا بغموض الدلالات، وأن الألفاظ سرعان ما تتحکم في تصورالناس للأشياء، مما ساعد السفسطائيين القدماء علي استقلال ذلک الغموض في دلالة الألفاظ، نتمکنوا عن طريقه من هدم حقائق العلم و مبادئ الأخلاق، بل استطاعوا تأييد موضوع ماومعارضته في وقت واحد.
ولذا دعا «أرسطو» إلي تحديد معاني الألفاظ، وتعرف مدلولاتها علي وجه دقيق، حين کمان يناقش موقف السفسطائين.
وليست تلک الدلالة الهامشية کلها شرًا، فقد تکون سببًا من أسباب المتعة
صفحه 117
لبني الإنسان حين يستغلها الأدبائ والشعراء الذين لايقنعون في غالب الأحوال بتلک الدلالات المرکزية، ويعدون ما بقتصر عليها من الأساليب، أسلوبا عاميًا لا يهدف إلا إلي إبصال الحقائق دون زيادة أو مفالاة.
فکلمة «اربيع» حين يقتصر في شأنها علي الدلالات المرکزية تصبح کما يصفها علماء الطبيعة بقولهم مثلا «اربيع أحد فصول السنة يحل لأسباب طبيعية خاصة وفي شهور معينة وتصحبه خضرة في الأشجار و اعتدال في الطقس» ، ولکن الربيع في رأي الأديب حين يستغل عاطفته، ويشحن دلالاته بصفات هامشية بصبح شيئًا آخر [1]
(1) أصول النقد الأدبي للشايب صفحه 62.