قَاعِدًا.
وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ اخْتِلافِهِ مَعَ مَالِكٍ، لأَنَّ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ يَسْيْرَ النَّوْمِ لا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَمَذَهْبُ جَمَاعَةٍ أُخْرَى مِنْهُمُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: أنَّ النَّوْمَ عَلَى جَمِيعِ حَالاتِهِ نَاقِضٌ لِلْوُضُوءِ.
فأَخْرَجَ الشَّافِعِيُّ هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ فِي كِتَابِ اخْتِلافِهِ مَعَ مَالِكٍ، نَقْضًا لِلْمَذَهْبَيْنِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُفَرِّقْ فِيهِمَا ابْنُ عُمَرَ بَيْنَ قَلِيلِ النَّوْمِ وَكَثِيْرِهِ؛ وَإِنَّمَا اعْتَبَرُوا النَّوْمَ قَاعِدًا وَجَالِسًا , وَلا فَرَقَ بَيْنَ الْقُعُودِ وَالْجُلُوسِ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى، وَإِنَّمَا يَفْتَرِقَانِ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ، وَالتَّصَرُّفِ فِي الْمَوْضِعِ، فَإِنَّ مَوْضِعَ الْقُعُودِ مَقْعَدٌ - بِفَتْحِ الْعَيْنِ - كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: «فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ» ، وَمَوْضِعَ الْجُلُوسِ مَجْلِسٌ بِكَسْرِ اللامِ، فَأَمَّا الْمَجْلَسُ - بِفَتْحِ اللامِ - فَهُوَ الْمَصْدَرُ. وَقَدْ صَرَّحَ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ بِالْفَرْقِ بَيْنَ النَّوْمَتَيْنِ، فَقَالَ: مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ، وَمَنْ نَامَ جَالِسًا فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ. فَلَمْ يَبْقَ تَأْوِيلًا يَتَطَرَّقُ إِلَى اللَّفْظِ.
قلت: وَهَذَا نَصُّ كَلامِ الشَّافِعِيِّ فِي (الأُمِّ / بَابُ نَوْمِ الْجَالِسِ وَالْمُضْطَجِعِ) (7/ 264) :
قَالَ الشَّافِعِيُّ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْحَدِيثَيْنِ: وَهَكَذَا نَقُولُ وَإِنْ طَالَ ذَلِكَ، لَا فَرْقَ بَيْنَ طَوِيلِهِ وَقَصِيرِهِ، إذَا كَانَ جَالِسًا مُسْتَوِيًا عَلَى الْأَرْضِ، وَنَقُولُ: إذَا كَانَ مُضْطَجِعًا أَعَادَ الْوُضُوءَ.
فَقُلْت لِلشَّافِعِيِّ: فَإِنَّا نَقُولُ: إنْ نَامَ قَلِيلًا قَاعِدًا لَمْ يُنْتَقَضْ وُضُوءُهُ، وَإِنْ تَطَاوَلَ ذَلِكَ تَوَضَّأَ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَا يَجُوزُ فِي النَّوْمِ قَاعِدًا إلَّا أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمُضْطَجِعِ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ سَوَاءٌ، أَوْ خَارِجًا مِنْ ذَلِكَ الْحُكْمِ فَلَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ قَلِيلُهُ وَلَا كَثِيرُهُ، فَقُلْت لِلشَّافِعِيِّ: فَإِنَّا نَقُولُ: إنْ نَامَ قَلِيلًا قَاعِدًا لَمْ يُنْتَقَضْ وُضُوءُهُ، وَإِنْ تَطَاوَلَ ذَلِكَ تَوَضَّأَ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَهَذَا خِلَافُ ابْنِ عُمَرَ، وَخِلَافُ غَيْرِهِ، وَالْخُرُوجُ مِنْ أَقَاوِيلِ النَّاسِ، قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ كَمَا حَكَى مَالِكٌ، وَهُوَ لَا يَرَى فِي النَّوْمِ قَاعِدًا وُضُوءًا، وَقَوْلُ الْحَسَنِ: مَنْ خَالَطَ النَّوْمُ قَلْبَهُ جَالِسًا وَغَيْرَ جَالِسٍ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ، وَقَوْلُكُمْ خَارِجٌ مِنْهُمَا.
14 -كِتَابُ النِّكَاحِ
25 -بَابُ التَّحْرِيمِ بِخَمْسِ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ