الصفحة 13 من 19

يَكْثُرَ مَنْ تَعُولُونَ إذَا اقْتَصَرَ الْمَرْءُ عَلَى وَاحِدَةٍ، وَإِنْ أَبَاحَ لَهُ أَكْثَرَ مِنْهَا.

وَهَذَا التَّفْسِيْرُ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ، قَدْ رَوَاهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلالٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ.

وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ مِمَّا اعْتَدَهَا حَسَدَةُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَأَخَذُوهَا عَلَيْهِ. قَالُوا: لأَنَّ مَنْ كَثُرَ عِيَالُهُ إِنَّمَا يُقَالُ فِيهِ: أَعَالَ يَعُولُ، قَالُوا: وَمَعْنَى الآيَةِ: ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ لا تَعُولُوا، أَيْ اخْتِيَارُ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ وَالتَّسَرِي أَقْرَبُ مِنْ أَنْ لا تَمِيلُوا، مِنْ قَوْلِهِمْ: عَالَ الْمِيزَانُ عَوْلًا إِذَا مَالَ، وَعَالَ الْحَاكِمُ فِي حُكْمِهِ إِذَا جَارَ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ: «ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا» ، أَيْ لا يَلْزَمُكُمْ مِنَ النَّفَقَةِ، فَتَقْصُرُ عَنِ الْوَفَاءِ بِجَمِيعِ حُقُوقِ نِسَائِكُمْ.

وَالَّذِي أُخِذَ عَلَى الشَّافِعِيِّ فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ وَجْهُهُ: أَنْ يُجْعَلَ مِنْ قَوْلِكَ: عَالَ الرَّجُلُ عِيَالَهُ يَعُولُهُمْ، كَقَوْلِكَ: مَانَهُمْ يَمُونُهُمْ، لأَنَّ مَنْ كَثُرَ عِيَالُهُ لَزِمَهُ أَنْ يَعُولُهُمْ، وَفِي ذَلِكَ مَا يَبْعَثُ عَلَى الْمُحَافِظَةِ عَلَى حُدُودِ الْوَرْعِ، وَكَسْبِ الْحَلالِ، وَالرِّزْقِ الطَّيِّبِ.

وَكَلامُ مِثْلِ الشَّافِعِيِّ - وَهُوَ مِنْ أَعْلامِ الْعِلْمِ، وَأَئِمَّةِ الشَّرْعِ وَرُؤسِ الْمُجْتَهِدِينَ - حَقِيقٌ بِالْحَمْلِ عَلَى الصِّحَّةِ وَالسَّدَادِ، وَأَنْ لا يُظَنَّ بِهِ تَحْرِيفَ تَعِيلُوا إِلَى تَعُولُوا، وَكَفَى بِشُهْرَتِهِ دَلِيلٌ عَلَى رُسُوخِهِ فِي عِلْمِ كَلامِ الْعَرَبِ، فَإِنَّهُ أَعْلَى قَدْرًا مِنْ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ مِثْلُ هَذَا , وَلَكِنْ لِلْعُلَمَاءِ طُرُقٌ وَأَسَالِيبُ، فَسَلَكَ فِي تَفْسِيْرِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ طَرِيقَةَ الْكِنَايَاتِ، وَقَدْ قَوِيَ يَعِيلُوا، وَهُوَ مِمَّا يَشِيدُ تَفْسِيْرَ الشَّافِعِيِّ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى الَّذِي قَصَدَهُ.

قَالَ بَعْضُ الأَئِمَّةِ: سَأَلْتُ أَبَا عُمَرَ - غَلامَ ثَعْلَبٍ الَّذِي لَمْ تَرَ عَيْنَايَ مِثْلَهُ - عَنْ حُرُوفِ أُخِذَتْ عَلَى الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ، مِثْلُ: مَاءٌ مَالِحٌ، و «ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا» ، وَقَوْلِهِ: أَيْنَفِى أَنْ يَكُونَ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ لِي: كَلامُ الشَّافِعِيِّ صَحِيحٌ، سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ ثَعْلَبًا يَقُولُ: يَأْخُذُونَ عَلَى الشَّافِعِيِّ!، وَهُوَ مِنْ بَيْتِ اللُّغَةِ، يَجِبُ أَنْ يُؤْخَذَ عَنْهُ، وَقَدْ أَخَذَ عَنْهُ اللُّغَةَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمُ الأَصْمَعِيُّ.

قَالَ الأَزْهَرِيُّ: وَرَوَى أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ سَلَمَةَ عَنِ الْفَرَّاءِ: أَنَّ الْكِسَائِيَّ قَالَ: أَعَالَ الرَّجُلُ إِذَا كَثُرَ عِيَالُهُ، وَقَالَ: وَمِنَ الْعَرَبِ الْفُصَحَاءِ مَنْ يَقُولُ: قَالَ: يَعُولُ إِذَا كَثُرَ عِيَالُهُ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، لأَنَّ الْكِسَائِيَّ لا يَحْكِي عَنِ الْعَرَبِ إِلاَّ مَا حَفِظَهُ وَضَبَطَهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت