الصفحة 14 من 19

قَالَ الأَزْهَرِيُّ: وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ نَفْسَهُ حُجَّةٌ، لأَنَّهُ عَرَبِيُّ اللِّسَانِ فَصِيحُ اللَّهْجَةِ، وَقَدِ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْمُتَحَذْلِقِينَ، فَخَطَّأَهُ، وَقَدْ عَجِلَ، وَلَمْ يَتَثَبَّتْ فِي ذَلِكَ.

قَالَ: وَلا يَجُوزُ لِلْحَضَرِيِّ أَنْ يَعْجِلَ إِلَى إِنْكَارِ مَا لا يَعْرِفُهُ مِنْ كَلامِ الْعَرَبِ اهـ.

قُلْتُ: وَقَدْ أَطَالَ الإِمَامُ أبُو الْحَسَنِ الْمَاوَرْدِيُّ، وَأَجَادَ فِي الرَّدِّ عَلَى مُنْتَقِدِي الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ.

قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: اعْتَرَضَ عَلَى الشَّافِعِيَّ ابْنُ دَاوُدَ، وَبَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَقَالُوا: مَعْنَى عَالَ يَعُولُ أَيْ جَارَ يَجُورُ، فَأَمَّا كَثْرَةُ الْعِيَالِ فَيُقَالُ فِيهِ: أَعَالَ يُعِيلُ، فَكَانَ الْعُدُولُ عَنْ هَذَا التَّأْوِيلِ جَهْلًا بِمَعْنَى اللُّغَةِ، وَغَفْلَةً عَمَّا تَقَدَّمَ فِي الْآيَةِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: «فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً» .

وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا الِاعْتِرَاضِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّ تَأْوِيلَ الشَّافِعِيِّ أَصَحُّ لِشَاهِدَيِ شَرْحٍ، وَلُغَةٍ.

فَأَمَّا الشَّرْحُ، فَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَرَأَ: «ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ لَا يَكْثُرَ مَنْ تَعُولُونَ» ، فَكَانَ هَذَا التَّأْوِيلُ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ لَفْظًا مَتْلُوًّا، حَكَاهُ التَّاجِيُّ عَنِ الْفَرَّاءِ؛ قَالَ: اخْتَرْتُ مِنْ قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَذَكَرَهُ. وَرَوَى أَبُو صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: «خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ» .

وَأَمَّا اللُّغَةُ، فَقَدْ حَكَى ثَعْلَبٌ عَنْ سَلَمَةَ عَنِ الْفَرَّاءِ عَنِ الْكِسَائِيِّ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ الْعَرَبَ تَقُولُ: عَالَ يَعُولُ: مَعْنَاهُ كَثُرَ عِيَالُهُ، قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: وَمِنْهُ أُخِذَ عَوْلُ الْفَرَائِضِ لِكَثْرَةِ سِهَامِهَا، فَهَذَا جَوَابٌ، وَالْجَوَابُ الثَّانِي أَنَّ مِنَ الْأَبْنِيَةِ الْمُشْتَرِكَةِ ثَلَاثَةَ مَعَانٍ؛ يُقَالُ: عَالَ يَعُولُ بِمَعْنَى جَارَ يَجُورُ، وَبِمَعْنَى كَانَ يَكُونُ، وَبِمَعْنَى أَكْثَرَ الْعِيَالَ فَهُوَ بِكَثْرَتِهِمْ. فَتَنَاوَلَهُ الشَّافِعِيُّ بِأَحَدِ مَعَانِيهِ، وَبِهِ قَالَ ابْنَ مَسْعُودٍ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَطَائِفَهٌ.

وَالْجَوَابُ الثَّالِثُ: أَنَّ حَقِيقَتَهُ فِي اللُّغَةِ مَا ذَكَرُوهُ، وَمَجَازَهُ فِيهَا مَا ذَكَرْنَاهُ، فَكَانَ حَمْلُهُ عَلَى مَجَازِهِ دُونَ حَقِيقَتِهِ أَوْلَى مِنْ وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ حَقِيقَتَهُ فِي الْجَوْرِ قَدِ اسْتُفِيدَتْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: «فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً» ، وَحَمْلُهُ عَلَى كَثْرَةِ الْعِيَالِ مُسْتَفَادٌ بِمَجَازِ قَوْلِهِ تَعَالَى: «ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا» ، وتأويل الشافعي لها لِيَكُونَ حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى مَعْنَيَيْنِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهَا عَلَى أَحَدِهِمَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت