فهرس الكتاب
وفي (صَحِيحِ البُخَارِيِّ) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: (( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجاتٍ، وَإِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ ) ).
وخَرَّجَ الإمَامُ أَحْمَدُ مِن حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بنِ سُحَيْمٍ، عَن أُمِّه، قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَدْنُو مِنَ الجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَها إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَتَكَلَّمَ بِالكَلِمَةِ، فَيَتَبَاعَدَ مِنْهَا أَبْعَدَ مِنْ صَنْعاءَ ) ).
وخرَّجَ الإمَامُ أَحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسَائِيُّ مِن حَدِيثِ بِلَالِ بنِ الحَارِثِ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (( إِنَّ أَحَدَكُم لَيَتَكلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوانِ اللَّهِ مَا يَظُنُّ أَنْ تَبلُغَ مَا بَلَغَتْ فَيَكْتُبُ اللَّهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ، وَإِنَّ أَحَدَكُم لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ مَا يَظُنُّ أَنْ تَبلُغَ مَا بَلَغَتْ فَيَكْتُبُ اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ ) ).
وقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا سَبَقَ حَدِيثَ أُمِّ حَبِيبَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( كَلَامُ ابنِ آدَمَ عَلَيْهِ لَا لَهُ، إِلَّا الْأَمْرَ بِالمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ، وَذِكْرَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ) ).
فقولُه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ ) )، أَمْرٌ بِقَوْلِ الخَيْرِ، وبالصَّمْتِ عَمَّا عَدَاهُ، وهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّه لَيْسَ هناك كَلَامٌ يَسْتَوِي قولُه والصَّمْتُ عَنْهُ، بل إِمَّا أَنْ يَكُونَ خَيْرًا، فيَكُونَ مَأْمُورًا بقَوْلِهِ، وإِمَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ خَيْرٍ، فيَكُونَ مَأْمُورًا بالصَّمْتِ عنه، وحَدِيثُ مُعَاذٍ وأُمِّ حَبِيبَةَ يَدُلَّانِ عَلَى هَذَا.
وخرَّجَ ابنُ أَبِي الدُّنْيَا حَدِيثَ مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ, ولَفْظُه أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ: (( يَا مُعَاذُ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ وَهَلْ تَقُولُ شَيْئًا إِلَّا وَهُوَ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ ) ).
وقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 17 - 18] وَقَدْ أَجْمَعَ السَّلَفُ الصَّالِحُ عَلَى أَنَّ الذي عن يَمِينِهِ يَكتُبُ الحَسَنَاتِ، والذي عن شِمَالِهِ يَكْتُبُ السَّيِّئَاتِ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا مِن حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ بإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. وفِي (الصَّحِيحِ) عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِذَا كَانَ أَحُدُكُم يُصَلِّي، فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ وَالمَلَكُ عَنْ يَمِينِهِ ) ). ورُوِيَ مِن حَدِيثِ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا: (( إِنَّ عَنْ يَمِينِهِ كَاتِبَ الحَسنَاتِ ) ).
واخْتَلَفُوا: هل يَكْتُبُ كُلَّ مَا تَكَلَّمَ بِهِ، أو لَا يَكْتُبُ إلَّا مَا فيه ثَوَابٌ أو عِقَابٌ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ. وقَالَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَلْحَةَ، عن ابنِ عَبَّاسٍ: يَكْتُبُ كُلَّ مَا تَكَلَّمَ بِهِ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ حَتَّى إِنَّه ليَكْتُبُ قَوْلَه: أَكَلْتُ وشَرِبْتُ وذَهَبْتُ وجِئْتُ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الخَمِيسِ عُرِضَ قَوْلُه وعَمَلُه فأُقِرَّ مَا كَانَ فيه مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ، وأُلْقِيَ سَائِرُهُ، فذلك قولُه تَعَالَى: {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتَابِ} [الرعد:39] .
وعَنْ يَحْيَى بنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: رَكِبَ رَجُلٌ الحِمَارَ، فعَثَرَ بِهِ، فَقَالَ: تَعِسَ الحِمَارُ، فَقَالَ صَاحِبُ اليَمِينِ: مَا هِيَ حَسَنَةٌ أَكْتُبُهَا، وقَالَ صَاحِبُ الشِّمَالِ: مَا هِيَ سَيِّئَةٌ فأَكْتُبَهَا، فأَوْحَى اللَّهُ إِلَى صَاحِبِ الشِّمَالِ: مَا تَرَكَ صَاحِبُ اليَمِينِ مِن شَيْءٍ، فاكْتُبْهُ، فأَثْبَتَ فِي السَّيِّئَاتِ تَعِسَ الحِمَارُ.
وظَاهِرُ هَذَا أَنَّ مَا لَيْسَ بِحَسَنَةٍ، فهو سَيِّئَةٌ، وإِنْ كَانَ لَا يُعَاقَبُ عَلَيْهَا؛ فَإِنَّ بَعْضَ السَّيِّئَاتِ قَدْ لَا يُعَاقَبُ عَلَيْهَا، وَقَدْ تَقَعُ مُكَفَّرَةً باجْتِنَابِ الكَبَائِرِ، ولَكِنَّ زَمَانَهَا قَدْ خَسِرَهُ صَاحِبُهَا حَيْثُ ذَهَبَ بَاطِلًا، فيَحْصُلُ لَهُ بذَلِكَ حَسْرَةٌ في القِيَامَةِ وأَسَفٌ عَلَيْهِ، وهو نَوْعُ عُقُوبَةٍ.
وخرَّجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وأَبُو دَاوُدَ، والنَّسَائِيُّ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلِسٍ لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيهِ، إِلَّا قَامُوا عَنْ مِثْلِ جِيفَةِ حِمَارٍ، وَكَانَ لَهُمْ حَسْرَةً ) ).