فهرس الكتاب
فقالَ: (يَسْتَلْئِمُونَ) ثمَّ قالَ: (تَرَاهُنَّ) .
ويُقالُ للمذكَّرِ العاقلِ في الجمعِ: (الذين) مُطلقًا؛ أي: رفعًا ونصبًا وجرًّا، فتقولُ: (جاءني الذين أَكْرَمُوا زيدًا، ورأيتُ الذين أَكْرَمُوه، ومَرَرْتُ بالذينَ أَكْرَمُوه) .
وبعضُ العربِ يَقُولُ: (الَّذُونَ) في الرفعِ، و (الذين) في النصبِ والجرِّ، وهم بَنُو هُذَيْلٍ، ومِنه قولُه:
27 -نَحْنُ الَّذُونَ صَبَّحُوا الصَّبَاحَا ... يَوْمَ النُّخَيْلِ غَارَةً مِلْحَاحَا [1]
(1) اخْتُلِفَ في نسبةِ هذا البيتِ إلى قائِلِهِ اختلافًا كثيرًا؛ فنَسَبَه أبو زَيْدٍ (النوادر 47) إلى رجلٍ جاهليٍّ من بني عُقَيْلٍ سَمَّاهُ أبا حَرْبِ الأعلمَ، ونَسَبَه الصَّاغَانِيُّ في العُبَابِ إلى لَيْلَى الأَخْيَلِيَّةِ، ونَسَبَه جماعةٌ إلى رُؤْبَةَ بنِ العَجَّاجِ، وهو غيرُ موجودٍ في دِيوانِه، وبعدَ الشاهدِ في روايةِ أبي زيدٍ:
نحنُ قَتَلْنَا الْمَلِكَ الْجَحْجَاحَا
ولم نَدَعْ لِسَارِحٍ مُرَاحَا
إلاَّ دِيَارًا أَوْ دَمًا مُفَاحَا
نَحْنُ بَنُو خُوَيْلِدٍ صُرَاحَا
لا كَذِبَ الْيَوْمَ وَلاَ مُِزَاحَا
اللغةُ: (نحنُ الَّذُونَ) هكذا وَقَعَ في روايةِ النَّحْوِيِّينَ لهذا البيتِ، والذي رَوَاهُ الثِّقَةُ أبو زيدٍ في نَوَادِرِهِ: (نحنُ الذينَ) على الوجهِ المشهورِ في لغةِ عامَّةِ العربِ، وقولُه: (صَبَّحُوا) معناه جَاؤُوا بعَدَدِهم وعُدَدِهِم في وقتِ الصباحِ مُباغِتِينَ للعَدُوِّ، وعلى هذا يَجْرِي قولُ اللهِ تعالى: {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ} ، (النُّخَيْلِ) بضمِّ النونِ وفتحِ الخاءِ: اسمُ مكانٍ بعينِه، (غَارَةً) اسمٌ مِن الإغارةِ على العدوِّ، (مِلْحَاحَا) هو مأخوذٌ مِن قولِهم: (أَلَحَّ الْمَطَرُ) إذا دامَ، وأرادَ أنها غارَةٌ شديدةٌ تَدُومُ طويلًا، (مُفَاحَا) بضمِّ الميمِ: مُراقًا حتى يَسِيلَ، (صُراحًا) يُريدُ أنَّ نَسَبَهُم إليهم صريحٌ خالصٌ لا شُبْهَةَ فيه ولا ظِنَّةَ، وهو بزِنَةِ غُرَابٍ، وجعَلَه العَيْنِيُّ - وتَبِعَه البغداديُّ - بكسرِ الصادِ، جمعٌ صريحٌ مثلُ: كريمٍ وكِرَامٍ.
الإعرابُ: (نحنُ) ضميرٌ مُنْفَصِلٌ مبتدأٌ، (الَّذُونَ) اسمٌ موصولٌ خبرُ المبتدأِ، (صَبَّحُوا) فعلٌ وفاعلٌ، والجملةُ لا مَحَلَّ لها مِن الإعرابِ صِلَةٌ، (الصَّبَاحَا، يومَ) ظرفانِ يَتَعَلَّقَانِ بقولِهِ: (صَبَّحُوا) ويومَ مضافٌ و (النُّخَيْلِ) مضافٌ إليه، (غَارَةً) مفعولٌ لأجلِه، ويجوزُ أنْ يكونَ حالًا بتأويلِ المشتَقِّ؛ أي: مُغِيرِينَ، وقولُه: (مِلْحَاحَا) نعتٌ لغارَةٍ.
الشاهدُ فيه: قولُه: (الَّذُونَ) حيثُ جاءَ به بالواوِ في حالةِ الرفعِ، كما لو كانَ جمعَ مذكَّرٍ سالمًا، وبعضُ العلماءِ قدِ اغْتَرَّ بِمَجِيءِ (الذونَ) في حالةِ الرفعِ ومجيءِ (الذين) في حالَتَيِ النصبِ والجرِّ، فزَعَمَ أن هذه الكَلِمَةَ مُعْرَبَةٌ، وأنها جمعُ مذكَّرٍ سالمٌ حقيقةً، وذلك بمَعْزِلٍ عن الصوابِ، والصحيحُ أنه مبنيٌّ جِيءَ به على صورةِ المُعْرَبِ، والظاهرُ أنه مبنيٌّ على الواوِ إنْ كانَ بالواوِ، وعلى الياءِ إنْ كانَ بالياءِ.