فهرس الكتاب
وكالَّتي أيضًا لَدَيْهِمْ ذَاتُ ... ومَوْضِعَ اللاَّتِي أَتَى ذَوَاتُ [1]
أشارَ بقولِه: (تُسَاوِي مَا ذُكِرْ) إلى أنَّ (مَن وما) والألفَ واللامَ تكونُ بلفظٍ واحدٍ للمذكَّرِ والمؤنَّثِ المفردِ والمثنَّى والمجموعِ، فتقولُ: جاءني مَن قامَ، ومَن قامَتْ، ومَن قاما، ومَن قامَتَا، ومَن قَامُوا، ومَن قُمْنَ، وأَعْجَبَنِي ما رُكِبَ، وما رُكِبَتْ، وما رُكِبَا، وما رُكِبَتَا، وما رُكِبُوا، وما رُكِبْنَ، وجَاءَنِي القائمُ والقائمةُ والقائمانِ والقائمتانِ والقائمونَ والقائماتُ.
وأكثرُ ما تُسْتَعْمَلُ (ما) في غيرِ العاقلِ، وقدْ تُسْتَعْمَلُ في العاقلِ [2] ، ومِنه قولُه تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى} ، وقولُهم: (سُبحانَ ما سَخَّرَكُنَّ لنا) ، و (سبحانَ ما يُسَبِّحُ الرعدُ بحَمْدِهِ) .
و (مَن) بالعكسِ، فأكثرُ ما تُسْتَعْمَلُ في العاقلِ، وقد تُسْتَعْمَلُ في غيرِه [3] ؛ كقولِه تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} ، ومِنه قولُ الشاعرِ:
(1) (كالتي) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرٍ مقدَّمٍ، (أيضًًا) مفعولٌ مطلَقٌ فعلُه محذوفٌ، (لَدَيْهِمْ) لَدَى: ظرفٌ مُتَعَلِّقٌ بما تَعَلَّقَ به الجارُّ والمجرورُ السابقُ، ولَدَى مضافٌ والضميرُ مضافٌ إليه، (ذَاتُ) مبتدأٌ مؤخَّرٌ، (ومَوْضِعَ) منصوبٌ على الظرفيَّةِ المكانيَّةِ، ناصِبُه قولُه: (أَتَى) الآتِي، وموضِعَ مضافٌ و (اللاتي) مضافٌ إليه، (أَتَى ذَوَاتُ) فعلٌ ماضٍ وفاعلُه.
(2) تُسْتَعْمَلُ (ما) في العاقلِ في ثلاثةِ مواضِعَ: الأَوَّلُ: أنْ يَخْتَلِطَ العاقلُ معَ غيرِ العاقلِ، نحوُ قولُه تعالى: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} ، فإنَّ (ما) يَتَنَاوَلُ ما فيهما من إنسٍ ومَلَكٍ وجِنٍّ وحَيَوَانٍ وجَمَادٍ؛ بدليلِ قولِهِ: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} .
والمَوْضِعُ الثاني: أنْ يكونَ أَمْرُه مُبْهَمًا على المتكلِّمِ، كقولِكَ وقدْ رَأَيْتَ شَبَحًا مِن بَعِيدٍ: انْظُرْ ما ظَهَرَ لي. وليسَ مِنه قولُه تعالى: {إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا} ؛ لأنَّ إِبهامَ ذُكُورَتِه وأُنُوثَتِه لا يُخْرِجُه عن العقلِ، بل استعمالُ (ما) هنا في ما لا يَعْقِلُ؛ لأنَّ الحملَ مُلْحَقٌ بالجمادِ.
والموضِعُ الثالثُ: أنْ يكونَ المرادُ صفاتِ مَن يَعْقِلُ؛ كقولِهِ تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ} ، وهذا الموضِعُ هو الذي ذَكَرَه الشارِحُ بالمثالِ الأوَّلِ مِن غَيْرِ بَيَانٍ.
(3) تُسْتَعْمَلُ (مَن) في غيرِ العاقلِ في ثلاثةِ مواضِعَ:
الأوَّلُ: أنْ يَقْتَرِنَ غيرُ العاقلِ معَ مَن يَعْقِلُ في عمومِ فَصْلٍ بمِن الجارَّةِ، نحوُ قولِهِ تعالى: {فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ} ، ومَن المستعملةُ فيما لا يَعْقِلُ مجازٌ مُرسَلٌ عِلاقَتُه المجاورةُ في هذا الموضِعِ.
والمَوْضِعُ الثاني: أنْ يُشَبَّهَ غيرُ العاقلِ بالعاقلِ فيُسْتَعَارَ له لفظُه، نحوُ قولِهِ تعالى: {مَنْ لاَ يَسْتَجِيبُ لَهُ} ، وقولِ الشاعرِ:
* أَسِرْبَ الْقَطَا هَلْ مَنْ يُعِيرُ جَنَاحَهُ *
وهو الذي اسْتَشْهَدَ به المؤلِّفُ فيما يلي، وسَنَذْكُرُ معَه نظائِرَه، واستعمالُ (مَن) فيما لا يَعْقِلُ حينَئذٍ استعارةٌ؛ لأنَّ العِلاقةَ المُشابهةُ.
والمَوْضِعُ الثالثُ: أنْ يَخْتَلِطَ مَن يَعْقِلُ بما لا يَعْقِلُ، نحوُ قولِ اللهِ تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ} ، واستعمالُ مَن فيما لا يَعْقِلُ ـ في هذا الموضعِ ـ من بابِ التغليبِ، واعْلَمْ أنَّ الأصلَ تغليبُ مَن يَعْقِلُ على ما لا يَعْقِلُ، وقد يُغَلَّبُ ما لا يَعْقِلُ على مَن يَعْقِلُ لِنُكْتَةٍ، وهذه النُّكَتُ تَخْتَلِفُ باختلافِ الأحوالِ والمقاماتِ.