فهرس الكتاب
29 -بَكَيْتُ عَلَى سِرْبِ القَطَا إِذْ مَرَرْنَ بِي ... فقُلْتُ ومِثْلِي بالبكاءِ جَدِيرُ
أَسِرْبَ الْقَطَا هَلْ مَن يُعِيرُ جَنَاحَهُ ... لَعَلِّي إِلَى مَن قَدْ هَوِيتُ أَطِيرُ؟ [1]
(1) هذانِ البيتانِ للعبَّاسِ بنِ الأَحْنَفِ، أحدِ الشعراءِ المُوَلَّدِينَ، وقد جاءَ بهما الشارِحُ تمثيلًا لا اسْتِشْهَادًا، كما يَفْعَلُ المُحَقِّقُ الرَّضِيُّ ذلك كثيرًا، يُمَثِّلُ بشِعْرِ المُتَنَبِّي والبُحْتُرِيِّ وأبي تَمَّامٍ، وقيلَ: قائِلُهما مجنونُ لَيْلَى، وهو مِمَّن يُسْتَشْهَدُ بِشِعْرِهِ، وقد وَجَدْتُ بيتَ الشاهدِ ثابتًا في كلِّ ديوانٍ مِن الديوانيْنِ: ديوانِ المجنونِ، وديوانِ العَبَّاسِ، وذلك مِن خَلْطِ الرُّواةِ.
اللغةُ: (السِّرْبُ) جماعةُ الظِّباءِ والقَطَا ونحوِهما، و (القَطَا) ضَرْبٌ من الطيرِ قريبُ الشبهِ من الحمامِ، (جَدِيرُ) لائقٌ وحَقِيقٌ، (هَوِيتُ) بكسرِ الواوِ؛ أي: أَحْبَبْتُ.
الإعرابُ: (بَكَيْتُ) فعلٌ وفاعلٌ، (عَلَى سِرْبِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ ببَكَيْتُ، وسِرْبِ مضافٌ و (القَطَا) مضافٌ إليه، (إذ) ظرفُ زمانٍ مُتَعَلِّقٌ ببَكَيْتُ، مبنيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ نصبٍ، (مَرَرْنَ) فعلٌ وفاعلٌ، والجملةُ في محلِّ جرٍّ بإضافةِ إذ إليها؛ أي: بَكَيْتُ وقتَ مُرُورِهِنَّ بِي، (بِي) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمَرَّ، (فقُلْتُ) فعلٌ وفاعلٌ، (ومِثْلِي) الواوُ للحالِ، مِثْل: مبتدأٌ، سومثل مضافٌ وياءُ المتكلِّمِ مضافٌ إليه، (بالبُكاءِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقولِهِ: (جَدِيرُ) الآتِي، (جَدِيرُ) خبرُ المبتدأِ، (أَسِرْبَ) الهمزةُ حرفُ نداءٍ، وسِرْبَ: مُنَادًى منصوبٌ بالفتحةِ الظاهرةِ، وسِرْبَ مضافٌ و (القطا) مضافٌ إليه، (هَل) استفهاميَّةٌ، (مَنِ) اسمٌ موصولٌ مبتدأٌ، (يُعِيرُ) فعلٌ مضارعٌ وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جوازًا تقديرُه هو يعودُ إلى مَن، والجملةُ مِن يُعِيرُ وفاعلِه في محَلِّ رَفْعِ خبرِ المبتدأِ، هكذا قالُوا، وعندي أنَّ جملةَ (يُعِيرُ جَنَاحَهُ) لا مَحَلَّ لها من الإعرابِ؛ صلةُ الموصولِ الذي هو مَن، وأمَّا خبرُ المبتدأِ فمحذوفٌ، وتقديرُ الكلامِ: هل الذي يُعِيرُ جَنَاحَه موجودٌ، (جَنَاحَهُ) جَنَاحَ: مفعولٌ بِهِ لِيُعِيرُ، وجناحَ مضافٌ والضميرُ مضافٌ إليه، (لَعَلِّي) لعَلَّ: حرفُ تَرَجٍّ ونَصْبٍ، والياءُ ضميرُ المتكلِّمِ اسْمُها، (إِلَى) حرفُ جرٍّ، (مَن) اسمٌ موصولٌ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ جرٍّ بإلى، والجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقٌ بقولِه: أَطِيرُ الآتِي، (قَدْ) حرفُ تحقيقٍ، (هَوِيتُ) فعلٌ ماضٍ وفاعلُه، والجملةُ لا مَحَلَّ لها صلةُ الموصولِ، والعائدُ محذوفٌ، والتقديرُ: إلى الذي قد هَوِيتُهُ، (أَطِيرُ) فعلٌ مضارعٌ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوبًا تقديرُه أنا، والجملةُ مِن أَطِيرُ وفاعلِه في مَحَلِّ رفعِ خبرِ (لَعَلَّ) .
الشاهدُ فيه: قولُه: (أَسِرْبَ الْقَطَا) وقولُه: (مَن يُعِيرُ جَنَاحَهُ) ، والنداءُ معناه طَلَبُ إقبالِ مَن تُنَادِيهِ عليك، ولا يُتَصَوَّرُ أنْ تَطْلُبَ الإقبالَ إلا مِن العاقلِ الذي يَفْهَمُ الطلبَ ويَفْهَمُ الإقبالَ، أو الذي تَجْعَلُه بمنزلةِ مَن يَفْهَمُ الطلبَ ويَفْهَمُ الإقبالَ، فلَمَّا تَقَدَّمَ بندائِه اسْتَسَاغَ أنْ يُطْلِقَ عليه اللفظَ الذي لا يُسْتَعْمَلُ بحسَبِ وضعِه إلا في العقلاءِ، وقد تَمَادَى في معاملتِه معاملةَ ذَوِي العقلِ، فاسْتَفْهَمَ منه طالبًا أنْ يُعِيرَه جَناحَهُ، والاستفهامُ وطَلَبُ الإعارةِ إنما يُتَصَوَّرُ تَوْجِيهُهما إلى العقلاءِ.
ومثلُ ذلك قولُ امرِئِ القَيْسِ بنِ حُجْرٍ الكِنْدِيِّ:
أَلاَ عِمْ صَبَاحًا أَيُّهَا الطَّلَلُ الْبَالِي ... وَهَلْ يَعِمَنْ مَن كَانَ في العُصُرِ الخَالِي.