الصفحة 109 من 811

وقد يكونُ الموصولُ لفظُه مفردًا مذكَّرًا ومعناهُ مثنًّى أو مجموعًا أو غيرَهما، وذلك نحوُ: (مَن وما) إذا قَصَدْتَ بهما غيرَ المفردِ المذكَّرِ، فيَجُوزُ حينَئذٍ مراعاةُ اللفظِ ومراعاةُ المعنى، فتقولُ: (أَعْجَبَنِي مَن قامَ ومَن قامَتْ ومَن قاما ومَن قامتا ومَن قاموا ومَن قُمْنَ) ، على حَسَبِ ما يُعْنَى بهما.

وجُمْلَةٌ أو شِبْهُهَا الَّذِي وُصِلْ ... بِهِ كَمَنْ عِنْدِي الَّذِي ابْنُهُ كُفِلْ [1]

صِلَةُ الموصولِ لا تكونُ إلا جملةً أو شِبْهَ جملةٍ، ونعني بشبهِ الجملةِ الظرفَ والجارَّ والمجرورَ، وهذا في غيرِ صِلَةِ الألفِ واللامِ، وسيأتي حُكْمُها.

ويُشْتَرَطُ في الجملةِ الموصولِ بها ثلاثةُ شروطٍ: أحدُها: أنْ تكونَ خَبَرِيَّةً [2] ، الثاني: كَوْنُها خاليةً من معنَى التعجُّبِ [3] ، الثالثُ: كَوْنُها غيرَ مُفْتَقِرَةٍ إلى كلامٍ قَبْلَها، واحْتَرَزَ بـ (الخبريَّةِ) من غَيْرِها، وهي الطلبيَّةُ والإنشائيَّةُ، فلا يَجُوزُ (جاءَنِي الذي أَضْرِبُه) ،

(1) (وجُمْلَةٌ) خبرٌ مُقَدَّمٌ، (أو شِبْهُهَا) أو: حرفُ عطفٍ، شِبْهُ: معطوفٌ على جملةٍ، وشِبْهُ مضافٌ والضميرُ مضافٌ إليه، (الذي) اسمٌ موصولٌ مبتدأٌ مؤخَّرٌ، (وُصِلْ) فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمجهولِ، ونائبُ الفاعلِ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جوازًا تقديرُه هو يعودُ على قولِهِ: (كُلُّها) في البيتِ السابقِ، (بِهِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقولِهِ: (وُصِلْ) ، وتقديرُ الكلامِ على هذا الوجهِ: والذي وُصِلَ به كلُّ واحدٍ من الموصولاتِ السابقِ ذِكْرُها جُمْلَةٌ أو شِبْهُ جملةٍ، وقيلَ: قولُه: (جُمْلَةٌ) مبتدأٌ، وقولُه: (الذي) خبرُه، ونائبُ فاعلِ وُصِل ليسَ ضميرًا مُسْتَتِرًا، بل هو الضميرُ المجرورُ بالباءِ في قولِهِ: (بِهِ) ، وليسَ هذا الإعرابُ بجَيِّدٍ، (كَمَنْ) الكافُ جارَّةٌ لمحذوفٍ تقديرُه: كقولِكَ، ومَن: اسمٌ موصولٌ مبتدأٌ، (عِنْدِي) عندَ: ظرفٌ مُتَعَلِّقٌ بفعلٍ محذوفٍ تَقَعُ جُمْلَتُه صلةً، وعندَ مضافٌ والضميرُ مضافٌ إليه، (الذي) خبرُ المبتدأِ، (ابْنُهُ) ابنُ: مبتدأٌ، وابنُ مضافٌ والضميرُ مضافٌ إليه، (كُفِلْ) فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمجهولِ، ونائبُ الفاعلِ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جوازًا تقديرُه هو يعودُ على (ابنُ) ، والجملةُ من الفعلِ ونائبِ الفاعلِ في مَحَلِّ رفعِ خبرِ المبتدأِ الذي هو قولُه: (ابْنُهُ) ، والجملةُ مِن المبتدأِ وخبرِه لا مَحَلَّ لها من الإعرابِ؛ صِلَةُ الذي.

(2) ذَهَبَ الكِسَائِيُّ إلى أنه يَجُوزُ أنْ تكونَ صلةُ الموصولِ جملةً إنشائيَّةً، واسْتَدَلَّ على ذلكَ بالسماعِ، فمِن ذلك قولُ الفَرَزْدَقِ:

وإِنِّي لَرَاجٍ نَظْرَةً قِبَلَ الَّتِي ... لَعَلِّي -وإِنْ شَطَّتْ نَوَاهَا- أَزُورُهَا

وقولُ جَمِيلِ بنِ مَعْمَرٍ العُذْرِيِّ المعروفِ بجَمِيلِ بُثَيْنَةَ:

وماذا عَسَى الوَاشُونَ أَنْ يَتَحَدَّثُوا ... سِوَى أَنْ يَقُولُوا إِنَّنِي لَكِ عَاشِقُ

وزَعَمَ الكِسَائِيُّ أنَّ جُمْلَةَ (لَعَلِّي أَزُورُهَا) مِن لَعَلَّ واسْمِها وخبرِها صلةُ التي، كما زعَمَ أنَّ (ما) في قولِ جَمِيلٍ: (وماذا) اسمُ استفهامٍ مبتدأٌ، و (ذا) اسمٌ موصولٌ خَبَرُه، وجملةَ عَسَى واسمِها وخبرِها صِلَةٌ.

والجوابُ: أنَّ صِلَةَ (التي) في البيتِ الأوَّلِ محذوفةٌ، والتقديرُ: قِبَلَ التي أقولُ فيها لَعَلِّي ... إلخ، أو الصلةُ هي جملةُ أَزُورُها، وخبرُ لعلَّ محذوفٌ، و (ماذا) كلُّها في البيتِ الثاني اسمُ استفهامٍ مبتدأٌ، وليسَ ثَمَّةَ اسمٌ موصولٌ أصلًا.

(3) اخْتَلَفَ العلماءُ في جملةِ التعجُّبِ: أَخَبَرِيَّةٌ هي أم إنشائيَّةٌ؟

فذَهَبَ قومٌ إلى أنها جملةٌ إنشائيَّةٌ، وهؤلاء جميعًا قالُوا: لا يَجُوزُ أنْ يُوصَلَ بها الاسمُ الموصولُ. وذَهَبَ فريقٌ إلى أنها خَبَرِيَّةٌ، وقدِ اخْتَلَفَ هذا الفريقُ في جوازِ وصلِ الموصولِ بها؛ فقالَ ابنُ خَرُوفٍ: يَجُوزُ. وقالَ الجمهورُ: لا يجوزُ؛ لأنَّ التعجبَ إنما يُتَكَلَّمُ به عندَ خَفَاءِ سببِ ما يُتَعَجَّبُ منه، فإنْ ظهَرَ السببُ بَطَلَ العجبُ، ولا شَكَّ أنَّ المقصودَ بالصلةِ إيضاحُ الموصولِ وبيانُه، وكيفَ يُمْكِنُ الإيضاحُ والبيانُ بما هو غيرُ ظاهرٍ في نفسِه؟! فلمَّا تَنَافَيَا لم يَصِحَّ رَبْطُ أحدِهما بالآخَرِ.

ويُؤَيِّدُ هذا التفصيلَ قولُ الشارحِ فيما بعدُ: (فلا يجوزُ: جَاءَنِي الذي ما أَحْسَنَهُ، وإنْ قُلْنَا: إنها خبريةٌ) فإنَّ معنى هذه العبارةِ: لا يجوزُ أنْ تكونَ جملةُ التعجُّبِ صلةً إنْ قلنا: إنها إنشائيَّةٌ وإنْ قُلنا: إنها خبريةٌ، فلا تَلْتَفِتْ لِمَا قالَه الكاتبونَ في هذا المقامِ مِمَّا يُخَالِفُ هذا التحقيقَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت